بدأت الولايات المتحدة توظف المساعدات الغذائية للمرة الأولى كعنصر رئيسي في سياستها الخارجية في مطلع الستينيات، في ظل برنامج الغذاء مقابل السلام في عهد كينيدي. كانت أداة جذابة للإدارات الأمريكية المتعاقبة لأنها لم تساعد فحسب على التخلص من الفائض الزراعي الأمريكي، إنما ربطت أيضاً الحكومات العربية في تبعية للصادرات في سياق حيث ضمانة الغذاء الرخيص لا سيما الخبز عنصر مهم من عناصر شرعية النظام .في عام 1961 على سبيل المثال شكلت المساعدات الغذائية الأمريكية 77 في المائة من واردات القمح المصرية و 38 في المائة من إجمالي المعروض من القمح، وزادت إلى نسبة 99 في المائة و 53 في المائة على التوالي بحلول عام 1962. كانت هذه المساعدات سياسية الطابع بشكل صريح، مع قول السفير الأمريكي في مصر أن القصد منها هو تهيئة ارتباط واضح بين السياسات والسلوكيات المصرية تجاه الولايات المتحدة واستمرار هذه المساعدات الغذائية في المستقبل». ربط الدبلوماسيون الأمريكيون بصراحة بين الاعتدال الظاهر للوفود الحكومية المصرية في مؤتمر نظم عام 1962 في حركة عدم الانحياز، وهذه التبعية من منطلق المساعدات الغذائية ؛ انحسرت مستويات المساعدات الأمريكية لمصر في النصف الثاني من الستينيات مع ابتعاد الحكومة المصرية عن المصالح الأمريكية عندما دعمت القوات الجمهورية في اليمن وعقدت تحالفات سياسية وعسكرية مختلفة مع الاتحاد السوفيتي. لكن الهزائم المصرية في 1967 و 1973 فتحت المجال أمام الولايات المتحدة كي تستأنف هذه المساعدات في محاولة لبناء علاقة أوثق بخليفة ناصر، أنور السادات. من 1973 إلى 1979 تلقت مصر نحو خمس المساعدات الغذائية الأمريكية على مستوى العالم، وهو مؤشر قوي على آمال الولايات المتحدة التي انعقدت على السادات واعتناقه أهداف السياسة الأمريكية الخارجية في المنطقة. كملت هذه المساعدات سياسات أخرى شجعت على تصريف الفائضات الزراعية الأمريكية في مصر.
أثرت المساعدات الغذائية وصفقات القمح الرخيص عميقاً على طبيعة الإنتاج الزراعي والغذائي في الشرق الأوسط، ومهدت الطريق أمام التحول النيوليبرالي في العلاقات الزراعية، وهي القضية التي يستعرضها الفصل الرابع بالتفصيل. لم يتمكن المزارعون المحليون من منافسة هذه الكميات الكبيرة الرخيصة من الغلال الواردة من الولايات المتحدة وأماكن أخرى، وبالتبعية تقوضت النظم الزراعية بالتدريج. بدلاً من الاعتماد على المزارعين في إنتاج الغذاء للاستهلاك المحلي، أصبحت بلدان الشرق الأوسط تعتمد بشكل متزايد على واردات الغلال والأغذية الأخرى في الستينيات كانت نسبة الاكتفاء الذاتي في مصر الإنتاج المحلي في مقابل الاستهلاك بالنسبة للقمح هي 70 في المائة تقريبا. بحلول عام 1980 انحسرت نسبة الاكتفاء الذاتي إلى 23 في المائة، مع صعود الواردات إلى مستويات رهيبة ؛ تمت هذه العملية نفسها في الجزائر والمغرب وتونس، مع اعتماد هذه الدول بدرجة أكبر على واردات الغلال المدعمة من أوروبا، وليس من الولايات المتحدة .
لم تؤشر المساعدات الغذائية وواردات القمح فحسب باندماج أقوى بكثير بالسوق العالمية ومعها الانكشاف على تقلبات الأسعار العالمية)، إنما هي أيضاً مهدت الطريق أمام ارتفاع معدلات الاستدانة، إذ أصبح توفر العملات الأجنبية محدداً أساسياً لتمكن الدولة من الوفاء باحتياجاتها الغذائية. في حالة مصر، كانت هذه التطورات جزءاً مهماً من تحول السادات الحاسم نحو الولايات المتحدة في السبعينيات. يقدر أن حرب 1973 تكلفت نحو 40 مليار دولار، وأن الضغط على الموازنة الذي تسبيت فيه زيادة واردات الغذاء والطافة أدى بالسادات إلى التماس القروض من جهات الإقراض الأمريكية والأوروبية وكذلك من مناطق فائض رأس المال الإقليمية مثل دول الخليج العربي .
لعبت هذه الدول دورا حاسماً في إدخال مصر في الفلك الأمريكي، مع تشكيل السعودية والكويت والإمارات وقطر لهيئة الخليج لتنمية مصر في 1976 لتقديم المساعدات لمصر. شرط المساعدات المالية الخليجية كان سحب النفوذ السوفيتي في مصر تم إلغاء معاهدة الصداقة السوفيتية المصرية في مارس (1976) والسيطرة التامة للخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي على سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية ومنها إنهاء الدعم وتعويم الجنيه المصري ما سيؤدي إلى زيادة كلفة الواردات. في البداية كانت هيئة الخليج لتنمية مصر بطيئة في توفير التمويل، في انتظار موافقة السادات على الشروط التي وضعها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لكن مع إقدام الحكومة المصرية على تعديل القوانين بما يسمح بخروج الأرباح من البلاد وحرية تدفق رأس المال والإعفاءات الضريبية ومحاولة رفع الدعم، جاءت النقود.
جذور الغضب
حاضر الرأسمالية في الشرق الأوسط
اظن هنية



