كما هو الحال منذ السبعينيات، استمرت الولايات المتحدة في تثبيت أركان قوتها عن طريق العلاقات العسكرية والسياسية الوثيقة بالخليج وإسرائيل والدول العربية التابعة مثل الأردن ومصر. لكن حدث تحول في كيفية تصور هذه العلاقات المقاربة الأساسية كانت جمع أعمدة الدعم هذه معاً في منطقة اقتصادية واحدة تحت هيمنة رأس المال الأمريكي ؛من الرواسي الأساسية لهذه الاستراتيجية تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين إسرائيل والعالم العربي. نتيجة لعلاقتها المقربة بالولايات المتحدة لفترة طويلة – وقد تم التعبير عنها بأوضح شكل ممكن في المساعدات الهائلة التي تم تحصيلها دون شروط على النقيض من القروض للدول الأخرى – فقد تطور الاقتصاد الإسرائيلي في اتجاه مختلف كيفيا عن تطور اقتصاد دول الجوار. ظهرت الطبقة الرأسمالية الإسرائيلية بدعم جهاز الدولة، وقد احتشدت حول أنشطة من قبيل الإنشاءات والزراعة والأسواق المالية. لكن على امتداد التسعينيات ساعد الدعم المالي الأمريكي المباشر في التمكين من تنمية صناعات التصدير عالية القيمة المضافة المتصلة بقطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والأدوية والأمن على النقيض من علاقتها بالدول الأخرى بالمنطقة، فقد كان عجز الميزان التجاري للولايات المتحدة كبيراً بالنسبة لإسرائيل، منذ توقيع اتفاق التجارة الأمريكي الإسرائيلي عام 1985. في هذا السياق، كان الدفع بالتطبيع سيقوي لا محالة من مكانة إسرائيل والولايات المتحدة بالتبعية في الهيراركيات الإقليمية.
كانت الخطوة الأولى فى هذا الاتجاه هي توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993، التى وقعتها إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما أدى إلى إنشاء السلطة الفلسطينية التي تمتعت بحكم ذاتي محدود للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما سيناقش الفصل الخامس بقدر أكبر من التفصيل، فهذا الاتفاق كان مطلباً مسبقاً لا غنى عنه لتبدأ الدول العربية الأخرى التطبيع مع إسرائيل. على امتداد التسعينيات تحول هذا الحكم الذاتي إلى موقف شبيه بحالة مناطق «بانتوستان» الحكم الذاتي المنعزلة في جنوب أفريقيا في عهد الأبارتيد، فقد احتفظت إسرائيل بالسيطرة الكاملة على تنقلات الفلسطينيين، وعلى دخول وخروج السلع وعلى التنمية الاقتصادية في قطع منعزلة ومنفصلة من الأراضي، مع إدارة شريحة صغيرة من الفلسطينيين للاحتلال نيابة عن القوة المحتلة. في الوقت نفسه، ولأن هذه العملية حدثت تحت شعار «المفاوضات السلمية وبمباركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فقد ساعدت أوسلو وما تلاها من اتفاقات على فتح الطريق أمام التطبيع الإسرائيلي في الشرق الأوسط.
على المستوى الإقليمي تأكد هذا التوجه نحو التطبيع، في قمم الشرق الأوسط الاقتصادية وفي سلسلة من الاجتماعات الحكومية المنعقدة سنويا بين 1994 و 1998. كما أشارت وزارة الخارجية الأردنية فهذه القمم كانت القصد منها تهيئة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول العربية وإسرائيل وتعزيز الاتصالات الشخصية بين الجانبين ورعاية التجارة والاستثمار والتنمية».
انعقدت قمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأولى في الدار البيضاء بالمغرب عام 1994، وبالإضافة إلى الدول العربية حضرها رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، ووزير الخارجية شيمون بيريز و 130 رجل أعمال إسرائيلي. اتفق المشاركون على اتخاذ إجراءات لرفع المقاطعة الاقتصادية الإقليمية عن إسرائيل وعلى إنشاء غرفة تجارية للشرق الأوسط، مع قول وزير الخارجية الأمريكية حينها وارين كريستوفر أن “الشرق الأوسط مفتوح للأعمال التجارية… يمكن أن يكون المؤتمر بداية لصداقة جميلة” . انعقدت القمة الثانية في عمان بالأردن في أكتوبر 1995، وهدفت إلى تيسير «توسيع استثمارات القطاع الخاص بالمنطقة وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لضمان تحقق هذا الهدف ولتحسين التعاون الإقليمي والتنمية . ضمن قمة عمان، تقرر إنشاء الأمانة التنفيذية للقمة الاقتصادية، وتعمل على” تحسين الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتعزيز الاتصالات والتشارك في البيانات ورعاية استثمارات القطاع الخاص بالمنطقة» . استمرت المثل النيوليبرالية الموجهة لهذه التجمعات في القمة الثالثة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي انعقدت من 12 إلى 14 نوفمبر 1996 تحت شعار البناء من أجل المستقبل: خلق بيئة مواتية للمستثمر في القاهرة. أشار القرار النهائي لمؤتمر القاهرة إلى أن إمكانات المنطقة في مجالات الاقتصاد والتجارة والتبادل التجاري تتحسن كثيرا جراء برامج إصلاح اقتصادي تجريها العديد من دول المنطقة. هذه الإصلاحات التي تشمل “الخصخصة والإصلاح الهيكلي وإزالة الحواجز أمام التجارة… من شأنها إيجاد مناخ اقتصادي موات لقطاع الأعمال في المنطقة”.
ربطت قمم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا صراحة بين التطبيع وتعزيز الإصلاحات النيوليبرالية، مع الربط بين دمج إسرائيل بالمنطقة وإسقاط الحواجز أمام التجارة والاستثمار تحت رعاية الولايات المتحدة. لعل التأكيد الأقوى على هذه الصلات والروابط كان إنشاء ما سمي بالمناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) في الأردن ومصر. أولى هذه المناطق كانت نتيجة للاتفاقات الاقتصادية الموقعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن في 1997 بموجب اتفاقات الكويز فالسلع المنتجة في المناطق المؤهلة تدخل الأسواق الأمريكية معفاة من الجمارك، شريطة أن يكون جزء من المدخلات المستخدمة في الإنتاج من إسرائيل (8) في المائة في حالة الأردن و (11.7) في المائة في حالة مصر. بعد توقيع الاتفاق الأول بقليل، تم إنشاء 12 منطقة كويز إضافية في الأردن. كان القصد من هذه الاتفاقات ربط رأس المال الإسرائيلي بالعربي في اتفاقات للاستغلال المشترك للعمالة الرخيصة، وتوجيه الصادرات الناتجة عن ذلك للسوق الأمريكية. منذ ظهور هذه الاتفاقات هيمنت على التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والأردن ومصر بدرجة أقل. بحلول 2007، أفادت الحكومة الأمريكية بأن الصادرات الواردة من 13 منطقة كويز أنشئت في الأردن تمثل 70 في المائة من إجمالي الصادرات الأردنية للولايات المتحدة . في 2004 أطلقت مصر بدورها أول اتفاق كويز مع إسرائيل والولايات المتحدة تمت الموافقة على 6 مناطق كويز إضافية في السنوات التالية، ومن 2005 إلى 2008 نمت الصادرات من هذه المناطق بمتوسط 58 في المائة سنوياً، بواقع عشرة أمثال الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة. بحلول عام 2008 كان نحو ثلث الصادرات المصرية للولايات المتحدة من مناطق الكويز .
آدم هنية
جذور الغضب

