لماذا لا يُعدّ تاريخ الفلسفة مقبرةً للأفكار؟
محاضرة : الاستاذ مختار منودي
اعداد وتنسيق النص : كرار جمعة الإمارة
موضوع محاضرتنا اليوم هو كتاب هيغل: دروس في تاريخ الفلسفة (Leçons sur l’histoire de la philosophie). ومن خلال هذا الكتاب سنحاول أن نعالج مفهوم تاريخ الفلسفة عند هيغل، وأن نجيب عن السؤال الآتي:
لماذا يعتبر هيغل أن تاريخ الفلسفة ليس متحفاً للآراء، كما قد يظن البعض، وليس مقبرةً للأفكار؟
يفتتح هيغل دروسه في تاريخ الفلسفة بسؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه ينطوي على إشكالية فلسفية عميقة. فإذا كانت الفلسفات، عبر التاريخ، تتناقض وتتعارض وينقض بعضها بعضاً، أي إذا كان تاريخ الفلسفة قائماً على ما يمكن تسميته النقض المتبادل (réfutation réciproque) بين المذاهب والتيارات الفلسفية؛ فأفلاطون ينقد السفسطائيين، وأرسطو ينقد أفلاطون، وكانط ينقد التجريبيين والعقلانيين معاً، وهكذا دواليك.
إذا كان هذا هو واقع تاريخ الفلسفة، فما الذي يبقى من هذا التاريخ؟ وما معنى هذا المسار الطويل الذي يبدو متشعباً ومليئاً بالتعارضات؟
هذه هي الإشكالية الأساسية التي يعالجها هيغل في هذا الكتاب.
يرى هيغل أن هناك جوابين رئيسيين عن هذا السؤال، لكنه يبني موقفه الفلسفي على تجاوزهما معاً.
الجواب الأول هو جواب الريبيين والوضعيين (les sceptiques et les positivistes). ويرى أصحاب هذا الاتجاه أنه ما دام تاريخ الفلسفة محكوماً بالتعارض والتناقض والنقض المتبادل، فإنه لا يرتبط بالحقيقة ولا بمفهوم الحقيقة، ولذلك لا يعدو أن يكون مجرد تاريخ للآراء (histoire des opinions).
أما الجواب الثاني فهو جواب الدغمائيين (les dogmatiques)، الذين يعتبرون أن إحدى اللحظات أو إحدى الفلسفات تمثل الحقيقة المطلقة، وأنها التعبير النهائي عن الحقيقة.
يحاول هيغل تأسيس عقلانية لتاريخ الفلسفة من خلال تجاوز هذين الموقفين معاً؛ فهو يرفض الموقف الوضعي والريبي، كما يرفض الموقف الدغمائي.
ومن هذا المنطلق يرى أن التناقض أو النقض المتبادل بين المذاهب الفلسفية ليس دليلاً على غياب وحدة الحقيقة، بل هو الوسيط الضروري الذي يستطيع العقل، من خلاله، أن يتعرف إلى ذاته عبر التاريخ. فالتاريخ، بالنسبة إلى هيغل، ليس إلا تاريخ الفكر في حركته نحو معرفة ذاته.
وسنحاول أن نتتبع هذا التصور خطوةً خطوةً.
وقبل الدخول في تحليل النصوص، لا بد من تقديم توضيح يتعلق بالترجمة التي اعتمدناها في هذه المحاضرة.
لقد اخترنا الترجمة الفرنسية التي أنجزها Jean Gibelin، وجميع النصوص التي سنستند إليها مأخوذة من هذه الترجمة، ولذلك سنبقي الاقتباسات باللغة الفرنسية ثم نشرحها بالعربية.
ويرجع هذا الاختيار إلى أن ترجمة هيغل إلى العربية ليست بالأمر الهيّن، لأن هيغل يستثمر، بطريقة فلسفية واعية، الإمكانات التأملية والانعكاسية التي تتميز بها اللغة الألمانية. فهذه اللغة تسمح، من خلال بنيتها الصرفية، بتكوين أفعال انعكاسية مثل:
- sich denken
- sich erkennen
- sich entwickeln
ولهذا السبب يلجأ المترجمون الفرنسيون غالباً إلى استعمال les verbes pronominaux لمحاكاة هذه البنية الموجودة في الألمانية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمسألة لغوية فحسب، بل بقضية فلسفية في غاية الأهمية؛ لأن هذه البنية الانعكاسية تعبر عن إحدى الأفكار الأساسية في فلسفة هيغل، وهي أن الفاعل والمفعول به يصبحان شيئاً واحداً.
فالفكر، في التصور الهيغلي، لا يتجه إلى موضوع خارجي مستقل عنه، بل يجعل ذاته موضوعاً لنشاطه. إنه في الوقت نفسه الفاعل، والموضوع، ونتيجة الفعل.
ولهذا نجد في النصوص الفرنسية أفعالاً مثل:
- se penser (يفكر في ذاته أو يتفكر ذاته)
- se développer (يتطور من داخل ذاته).
- se connaître (يعرف ذاته)
وتسمح هذه الأفعال للمترجم الفرنسي بمحاكاة البنية التأملية الموجودة في اللغة الألمانية.
أما في العربية، فعندما نترجم sich denken بعبارة “يفكر في ذاته”، فقد يحدث التباس بين هذا المعنى وبين مفهوم An sich، أي “الوجود في ذاته”، وهو مفهوم آخر داخل النسق الهيغلي.
ولهذا السبب فضلنا الاعتماد على النص الفرنسي مع تقديم شرح فلسفي يوضح المقصود، تجنباً لأي خلط بين المفاهيم.
ومن المهم التأكيد أن جوهر القضية هنا ليس لغوياً، وإنما فلسفي؛ لأن هذه البنية الانعكاسية تعكس تصور هيغل للمطلق، حيث يكون الفاعل والموضوع شيئاً واحداً، ويكون الفكر موضوعاً لنفسه، ويتحقق من خلال حركته الداخلية نحو معرفة ذاته.
وسنحاول أن نتتبع هذا التصور خطوةً خطوةً.
وقبل الدخول في تحليل النصوص، لا بد من تقديم توضيح يتعلق بالترجمة التي اعتمدناها في هذه المحاضرة.
لقد اخترنا الترجمة الفرنسية التي أنجزها Jean Gibelin، وجميع النصوص التي سنستند إليها مأخوذة من هذه الترجمة، ولذلك سنبقي الاقتباسات باللغة الفرنسية ثم نشرحها بالعربية.
ويرجع هذا الاختيار إلى أن ترجمة هيغل إلى العربية ليست بالأمر الهيّن، لأن هيغل يستثمر، بطريقة فلسفية واعية، الإمكانات التأملية والانعكاسية التي تتميز بها اللغة الألمانية. فهذه اللغة تسمح، من خلال بنيتها الصرفية، بتكوين أفعال انعكاسية مثل:
sich denken
sich erkennen
sich entwickeln
ولهذا السبب يلجأ المترجمون الفرنسيون غالباً إلى استعمال les verbes pronominaux لمحاكاة هذه البنية الموجودة في الألمانية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمسألة لغوية فحسب، بل بقضية فلسفية في غاية الأهمية؛ لأن هذه البنية الانعكاسية تعبر عن إحدى الأفكار الأساسية في فلسفة هيغل، وهي أن الفاعل والمفعول به يصبحان شيئاً واحداً.
فالفكر، في التصور الهيغلي، لا يتجه إلى موضوع خارجي مستقل عنه، بل يجعل ذاته موضوعاً لنشاطه. إنه في الوقت نفسه الفاعل، والموضوع، ونتيجة الفعل.
ولهذا نجد في النصوص الفرنسية أفعالاً مثل:
se penser (يفكر في ذاته أو يتفكر ذاته).
se développer (يتطور من داخل ذاته).
se connaître (يعرف ذاته).
وتسمح هذه الأفعال للمترجم الفرنسي بمحاكاة البنية التأملية الموجودة في اللغة الألمانية.
أما في العربية، فعندما نترجم sich denken بعبارة “يفكر في ذاته”، فقد يحدث التباس بين هذا المعنى وبين مفهوم An sich، أي “الوجود في ذاته”، وهو مفهوم آخر داخل النسق الهيغلي.
ولهذا السبب فضلنا الاعتماد على النص الفرنسي مع تقديم شرح فلسفي يوضح المقصود، تجنباً لأي خلط بين المفاهيم.
ومن المهم التأكيد أن جوهر القضية هنا ليس لغوياً، وإنما فلسفي؛ لأن هذه البنية الانعكاسية تعكس تصور هيغل للمطلق، حيث يكون الفاعل والموضوع شيئاً واحداً، ويكون الفكر موضوعاً لنفسه، ويتحقق من خلال حركته الداخلية نحو معرفة ذاته.
تتميز الأفعال الضميرية (les verbes pronominaux) بقدرتها على محاكاة البنية الانعكاسية أو التأملية الموجودة في اللغة الألمانية، ولذلك فإنها لا تؤدي وظيفة لغوية فحسب، بل تعكس أيضاً المفهوم الهيغلي للتأمل (la spéculation). وقد سبق لنا أن تناولنا هذا المفهوم في محاضرتنا حول المنطق التأملي عند هيغل.
وتكمن الإشكالية في الترجمات العربية لنصوص هيغل في أن بعض الأفعال الألمانية، مثل sich denken، تُترجم عادةً بعبارة “يفكر في ذاته”. غير أن هذه العبارة قد تُحدث التباساً لدى القارئ العربي، لأنها توحي بالخلط بين المعنى الانعكاسي للفعل وبين مفهوم An sich، أي “الوجود في ذاته”، وهو أحد المفاهيم الأساسية في النسق الفلسفي الهيغلي.
ويظهر هذا الالتباس خصوصاً لدى القارئ الذي يخطو خطواته الأولى في دراسة فلسفة هيغل، إذ قد يخلط بين لحظتين مختلفتين تماماً في النسق التأملي. فاللحظة الأولى تتعلق بالبنية الانعكاسية للفكر أو للعقل، أي بالفكر الذي يجعل ذاته موضوعاً لنشاطه. أما اللحظة الثانية فتتعلق بمفهوم An sich، أي “الوجود في ذاته”، وهو ما يقابل، عند أرسطو، مفهوم الوجود بالقوة (dynamis). ثم تأتي بعد ذلك مرحلتا الوجود (Existenz) والوجود لذاته (Für sich).
ولهذا السبب فضلنا في هذه المحاضرة الاعتماد على الترجمة الفرنسية مع شرحها وتبسيطها، تفادياً لأي خلط بين هذه المفاهيم.
في الصفحة 114 من الكتاب، يفتتح هيغل فصل «Notion de l’histoire de la philosophie»
بقوله:
«Nous devons d’abord jeter un regard sur la forêt avant de connaître les différents arbres qui la composent.»
أي: ينبغي لنا أولاً أن نلقي نظرة عامة على الغابة قبل أن نتعرف إلى الأشجار المختلفة التي تتكون منها.
وتلخص هذه الصورة المجازية موقف هيغل من العلاقة بين الكل والجزء في تاريخ الفلسفة.
فالغابة ترمز إلى وحدة الحقيقة، بينما ترمز الأشجار إلى المذاهب والتيارات الفلسفية المختلفة.
ويضيف هيغل أن من يبدأ بالنظر إلى الأشجار وحدها لن يرى الغابة في كليتها، بل سيضيع في التفاصيل والجزئيات، لأنه انطلق من الجزء ولم ينطلق من الكل.
ولهذا يؤكد ضرورة البدء برؤية كلية لتاريخ الفلسفة، أي برؤية وحدة الحقيقة التي تنتظم مختلف المذاهب، قبل الانشغال بالتفاصيل الجزئية لكل مذهب على حدة.
وتكشف هذه الصورة منذ البداية عن المنهج الذي سيسلكه هيغل في هذا الكتاب.
بعد ذلك يصرح هيغل بصورة واضحة بالإشكالية النظرية التي تعالجها هذه المقدمة، وهي:
كيف يمكن تفسير التناقض الظاهر بين وحدة الحقيقة من جهة، والتعدد الكبير للمذاهب الفلسفية عبر التاريخ من جهة أخرى؟
وما هي حصيلة هذا الجهد الطويل الذي بذله العقل الإنساني عبر تاريخ الفكر؟
وبأي منهج يمكن فهم هذا التاريخ واستيعابه؟
إذن، تتمحور الإشكالية حول تفسير العلاقة بين وحدة الحقيقة وتعدد الفلسفات، وكذلك حول المنهج المناسب لدراسة تاريخ الفلسفة.
ثم ينتقل هيغل إلى تحديد طبيعة تاريخ الفلسفة نفسه، فيقرر أن:
تاريخ الفلسفة هو تاريخ الفكر العياني الحر، أو تاريخ العقل.
فالعقل لا يجعل موضوعه شيئاً خارجياً، بل يجعل ذاته موضوعاً لنشاطه؛ فهو في الوقت نفسه الفاعل والموضوع.
ولهذا لا يكون تاريخ الفلسفة مجرد عرض لأفكار متجاورة، بل هو تاريخ العقل في سيرورته الذاتية.
ولهذا يميز هيغل بين العقل (la raison) والفهم (l’entendement).
فالفهم يعتمد التفكير المجرد، ولذلك عندما يبلغ التناقض يعتبره علامة على قصور المعرفة، فيتوقف عنده.
أما العقل، فإنه عقل ملموس (pensée concrète)، ولذلك لا يرى في التناقض نهاية للفكر، بل يراه مبدأ الحركة والتطور.
ومن هنا يكون العقل قادراً على تجاوز التناقضات التي يعجز الفهم عن تجاوزها، ويجعل منها المحرك الحقيقي لتطور الفكر.
ولهذا فإن تاريخ الفلسفة، عند هيغل، ليس تاريخاً للأفكار المتجاورة، بل هو تاريخ العقل الذي يتطور عبر تجاوز تناقضاته الداخلية.
ومن هنا يطرح هيغل سؤالاً أساسياً:
بأي معنى يمكن أن نتحدث عن تاريخ للفكر أو للعقل؟ وما المقصود بتاريخ الفلسفة؟
وهذا هو السؤال الذي سيعمل على معالجته في بقية هذا الفصل.
ينتقل هيغل بعد ذلك إلى معالجة سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه في الحقيقة غير دقيق من الناحية المنهجية، وهو: ما معنى تاريخ الفلسفة؟
ويرى هيغل أن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يقتضي المراجعة؛ لأننا عادةً لا نسأل عن المعنى إلا عندما نكون أمام موضوع خارجي (objet).
فعندما نكون أمام عمل فني، يمكن أن نتساءل عن معناه، أو عن دلالته الجمالية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الظواهر اللغوية أو الدينية؛ إذ يمكن البحث عن المعنى الكامن وراء التعبير أو الرمز أو الظاهرة.
ولهذا يقول هيغل:
«Le sens et la signification ne sont pas autre chose que l’essentiel, le général, le substantiel d’un objet.»
أي إن المعنى أو الدلالة ليسا سوى ما هو الجوهري، والعام، والماهوي (le substantiel) في الموضوع.
وعندما نفسر ظاهرة فنية أو لغوية أو دينية، فإننا نكون دائماً أمام عنصرين مختلفين: فمن جهة يوجد موضوع خارجي تدركه الحواس، ومن جهة أخرى توجد الفكرة أو الدلالة التي تمنح هذا الموضوع معناه. ولذلك يكون فعل التأويل انتقالاً من الظاهر المحسوس إلى الفكرة الكامنة فيه.
غير أن الأمر يختلف جذرياً في تاريخ الفلسفة.
ففي تاريخ الفلسفة لا يكون موضوع البحث شيئاً خارجياً، بل يكون الفكر نفسه. ولهذا لا يمكن تطبيق الإجراء التأويلي نفسه الذي نطبقه على الظواهر الفنية أو اللغوية أو الدينية؛ لأن الفكر ليس علامة تشير إلى شيء آخر، ولا يحتاج إلى معنى خارجي يفسره.
إن موضوع تاريخ الفلسفة هو الفكرة ذاتها، وهي في الوقت نفسه الجوهري (l’essentiel)، والعام (le général)، والماهوي (le substantiel). ولذلك لا يمكن البحث عن معنى أسمى منها، لأنها تمثل أعلى درجات المعنى.
ولهذا يقرر هيغل أن السؤال عن معنى تاريخ الفلسفة، بالصيغة نفسها التي نسأل بها عن معنى الظواهر الخارجية، ليس سؤالاً صحيحاً؛ لأن موضوع تاريخ الفلسفة هو الفكر ذاته، وهو، بحسب تعبير هيغل:
«Le plus intime et le plus élevé.»
أي إنه الأشد باطنية، والأعلى مرتبة.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس البحث عن معنى الفكر، بل تحديد الفكر نفسه، لأن الفكر هو موضوع تاريخ الفلسفة.
ولهذا يستبدل هيغل سؤال الدلالة (signification) بسؤال التحديد (détermination).
فبدلاً من البحث عن معنى خارجي، ينتقل إلى تحديد البنية المنطقية للفكر، وهي البنية التي تجعل تاريخ الفلسفة ممكناً.
ولهذا يقدم ثلاثية مفهومية أساسية، يعتبرها بمثابة التحديدات المنطقية التمهيدية (déterminations préliminaires) لتاريخ الفلسفة، ويمكن اعتبارها أيضاً شروط إمكان عقلانية هذا التاريخ.
وهذه الثلاثية هي:
– الفكر (la pensée).
– التصور (la représentation).
– الفكرة (l’idée).
ومن خلال هذه الثلاثية يبين هيغل أن ما يتحرك في تاريخ الفلسفة ليس الآراء، ولا الأشخاص، ولا المدارس، وإنما الفكرة نفسها.
فالفكرة تبدأ في صورة مجردة وفقيرة، هي الفكر المجرد، ثم تتجسد في التصور، فتكتسب وجوداً أكثر تعيناً وملموسية، ثم تبلغ تحققها الكامل بوصفها فكرة أو حقيقة.
إلا أن هذه الثلاثية لا تكفي وحدها لتفسير تاريخ الفلسفة؛ لأنها تبين ما الذي يتحرك، لكنها لا تفسر كيفية حركته.
ولهذا يضيف هيغل مفهوماً آخر هو التطور (développement)، ليجيب عن سؤال آخر: كيف تتحرك الفكرة عبر تاريخ الفلسفة؟
وفي الصفحة 122 يوضح هيغل أن جوهر الفلسفة هو أن تفحص ما نظنه معروفاً سلفاً، وما نستعمله يومياً من مفاهيم دون أن نتساءل عن حقيقتها.
فالفلسفة لا تبدأ من المجهول، وإنما تبدأ بإعادة التفكير فيما يبدو بديهياً، وتكشف أن ما نعده واضحاً يحتاج في الحقيقة إلى تحليل وتأمل فلسفي.
بعد هذا التمهيد، ينتقل هيغل إلى الفكرة الأساسية في هذا الفصل، وهي أن الفكرة هي التي تتحرك عبر تاريخ الفلسفة، وأن حركتها ليست سوى حركة تطورها.
ويقرر هيغل أن الفكرة، بوصفها تطوراً، يجب أن تصير أولاً ما هي عليه. وهذه العبارة تبدو، للوهلة الأولى، متناقضة، لكنها تكشف عن أحد المبادئ الأساسية في الفلسفة الهيغلية.
فجوهر الفلسفة، عند هيغل، هو تجاوز التناقضات التي يتوقف عندها الفهم (l’entendement)، لا الوقوف عندها.
ولكي نفهم معنى التطور، ينبغي أن نميز بين لحظتين أساسيتين:
اللحظة الأولى هي الوجود بالقوة، أو ما يسميه أرسطو بالقوة (puissance أو potentia)، ويسميه هيغل الوجود في ذاته (An sich).
أما اللحظة الثانية فهي الوجود بالفعل، أو الوجود لذاته (Für sich).
ومن ثم، فإن فهم تطور الفكرة يقتضي فهم هذا الانتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، أي من الوجود في ذاته إلى الوجود لذاته.
غير أن الفكرة التي ينبغي التوقف عندها في هذا النص هي قول هيغل إن الفكرة، بما هي تطور، يجب أن تصبح أولاً ما هي عليه.
ولماذا يبدو هذا القول متناقضاً؟
لأنه يتعارض مع طريقة اشتغال الفهم.
فالفهم يفكر دائماً انطلاقاً من مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض. وقد سبق أن بينا، في محاضرتنا حول هيغل وأرسطو، أن هذين المبدأين، على الرغم من أهميتهما، لا يكفيان لتفسير ظاهرة التطور.
فمن منظور الفهم، لا يوجد إلا احتمالان: إما أن يكون الشيء هو ما هو، وإما ألا يكون كذلك. ولا يمكن، في الوقت نفسه، أن يكون الشيء هو ذاته وألا يكون ذاته.
ولهذا، عندما يقول هيغل إن الفكرة ينبغي أن تصير ما هي عليه، يبدو هذا القول متناقضاً بالنسبة للفهم؛ لأنه يفترض أن الفكرة ليست بعدُ ما ستكونه، وفي الوقت نفسه يُقال إنها هي بالفعل ما ستصير إليه.
أما العقل (la raison)، فلا يرى في هذا الأمر تناقضاً، لأن مهمته ليست تثبيت الحدود الجامدة، وإنما تجاوز تناقضات الفهم والكشف عن حركتها الداخلية.
ولهذا فإن الفلسفة، بوصفها الفكر العياني الحر، أو العقل الملموس، لا تتوقف عند التناقض، بل تجعله مبدأ الحركة والتطور.
وعند هذه النقطة يمكننا أن نفهم وظيفة التحديدات المنطقية التي قدمها هيغل في بداية الكتاب.
فالثلاثية الأولى، وهي:
– الفكر (la pensée).
– التصور (la représentation).
– الفكرة (l’idée).
تجيب عن السؤال الآتي:
ما الذي يتحرك في تاريخ الفلسفة؟
والجواب هو: الفكرة.
فالفكرة تبدأ تعيناً مجرداً في الفكر، ثم تتحقق في التصور، ثم تبلغ وجودها الكامل بوصفها الحقيقة الملموسة.
لكن هيغل لا يكتفي بهذا، بل يضيف ثلاثية ثانية هي:
– الوجود في ذاته (An sich).
– الوجود (Existenz).
– الوجود لذاته (Für sich).
وهذه الثلاثية لا تجيب عن سؤال: ما الذي يتحرك؟، وإنما تجيب عن سؤال آخر، هو:
كيف تتحرك الفكرة؟
فالجواب هو :
أن الفكرة تتطور من الوجود بالقوة، أي الوجود في ذاته، مروراً بالوجود، حتى تبلغ الوجود لذاته، أي تحققها الكامل.
وبذلك تصبح لدينا مجموعتان من التحديدات:
فالثلاثية الأولى تحدد موضوع تاريخ الفلسفة، أما الثلاثية الثانية فتحدد منطق تطوره.
ومن خلال هاتين البنيتين المفهومتين يستطيع هيغل أن يؤسس إمكانية التفكير في تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخاً عقلانياً، لا مجرد تعاقب لآراء متفرقة
بعد ذلك ينتقل هيغل إلى نص آخر بالغ الأهمية، يقع في الصفحة 149.
فإذا كانت الصفحات السابقة قد خصصت لوضع التحديدات المنطقية التمهيدية (les déterminations préliminaires)، أو ما يمكن تسميته بشروط إمكان عقلانية تاريخ الفلسفة، فإنه يبدأ هنا بمواجهة الإشكالات الفعلية التي يثيرها هذا التاريخ.
ويشير هيغل إلى أن الفلسفات المختلفة لا تتعارض فيما بينها فحسب، بل إن كل فلسفة تمارس نوعاً من النقض المتبادل (réfutation réciproque) تجاه الفلسفات الأخرى.
ومن هنا يطرح السؤال الآتي:
ما دلالة هذا النقض المتبادل بين المذاهب الفلسفية؟
ويجيب عن هذا السؤال انطلاقاً من المبدأ الذي سبق أن أسسه، فيقول:
«Une forme concrète quelconque de l’idée passe pour la forme suprême et absolue.»
أي إن كل فلسفة تاريخية تميل إلى اعتبار الشكل الذي بلغته الفكرة فيها هو الشكل الأعلى والمطلق للحقيقة.
وهنا يكمن موضع النقد الحقيقي عند هيغل، وهو ما سيشرحه في الصفحات التالية.
يوضح هيغل أن ما يكون موضوعاً للنقض في تاريخ الفلسفة ليس المبدأ الفلسفي في ذاته، وإنما ادعاء إحدى الفلسفات أنها التعبير المطلق والنهائي عن الحقيقة.
فكل فلسفة تمثل لحظة جزئية من تحقق الفكرة، غير أنها تميل، في عصرها، إلى تقديم نفسها بوصفها الصورة المطلقة للحقيقة، لا بالنسبة إلى زمنها فحسب، بل بالنسبة إلى الأزمنة اللاحقة أيضاً. وهذا هو ما يكون موضوع النقد أو النقض في تاريخ الفلسفة.
ولا يعني ذلك أن هذه الفلسفة لم تكن تعبر عن الحقيقة في لحظتها التاريخية؛ بل كانت بالفعل تمثل أعلى أشكال تحقق الفكرة في عصرها. غير أن تطور الروح يكشف لاحقاً أن ما كان يبدو مطلقاً ليس سوى لحظة من لحظات تطور الفكرة.
ولهذا، عندما تتطور الفلسفة، لا تنظر إلى المبدأ السابق باعتباره باطلاً، وإنما باعتباره مرحلة أدنى داخل رؤية أشمل وأكثر تعيناً وملموسية.
ومن هنا تتضح إحدى أهم أفكار هيغل: إن محتوى الفلسفات لا يُنقض، وإنما الذي يُنقض هو ادعاؤها المطلق.
فوظيفة النقض في تاريخ الفلسفة ليست محو المبادئ السابقة، وإنما إعادة تحديد مكانها داخل نسق فلسفي أوسع. فالمبدأ الذي كان يحتل المرتبة العليا في فلسفة معينة يصبح، في الفلسفة اللاحقة، لحظة جزئية من بناء أكثر شمولاً.
وهذه من أهم الأفكار التي يؤكدها هيغل في دروس في تاريخ الفلسفة. فليس هناك مبدأ فلسفي حقيقي يضيع في التاريخ، بل إن جميع المبادئ تحفظ داخل الفلسفات اللاحقة، وإن تغير موقعها ووظيفتها داخل البناء الجديد.
ولهذا يقرر هيغل بوضوح أن موضوع النقض في تاريخ الفلسفة هو:
ادعاء فلسفة معينة أنها الصورة العليا أو المطلقة للحقيقة.
أما الحقيقة التي اكتشفتها تلك الفلسفة، أو المبدأ الذي كشفت عنه في عصرها، فإنه لا يُلغى، بل يُحفظ ويُستوعب داخل الفلسفة اللاحقة.
وهذا هو المبدأ المنهجي الذي يميز فلسفة هيغل في فهم تاريخ الفلسفة، ويجعل هذا التاريخ لا يقوم على القطيعة والإلغاء، وإنما على الاستيعاب والتجاوز.
ولهذا فإن تاريخ الفكر، عند هيغل، ليس مجرد تعاقب للفلسفات، بل هو مسار تراكمي وتصاعدي.
وإذا طبقنا التحديدات المنطقية التي سبق الحديث عنها، أمكن القول إن كل فلسفة تمثل لحظة من لحظات الوجود (Existenz)، أي إنها تعبر عن الفكرة تعبيراً جزئياً في زمان ومكان محددين.
وعندما تتعرض هذه الفلسفة للنقد أو للنقض، فإنها لا تُمحى، ولا يحدث ما يسميه هيغل الإلغاء المطلق (anéantissement absolu)، بل تعود إلى مستوى الوجود في ذاته (An sich) داخل الفلسفة اللاحقة، فتغدو مبدأً مندمجاً في بناء نظري أشمل وأغنى.
ثم تأتي الفلسفة التالية لتصبح بدورها تعيناً جديداً للفكرة، أكثر اكتمالاً وملموسية، إلى أن تتجاوزها فلسفة أخرى، وهكذا يستمر تطور الفكر.
إذن، فالتاريخ، عند هيغل، لا يتقدم بالإلغاء المطلق، وإنما بما يمكن تسميته التطور الاستيعابي التصاعدي؛ فلا يوجد مبدأ فلسفي حقيقي يضيع، وإنما يعاد إنتاجه داخل تركيب أعلى وأكثر غنى.
وفي الصفحة 150 يقدم هيغل مثاله الشهير عن البذرة والزهرة والثمرة.
فالزهرة تبدو، في ظهورها، وكأنها تنفي الأوراق، وتظهر بوصفها الشكل الأعلى للنبات.
ثم تأتي الثمرة، فتبدو بدورها وكأنها تنفي الزهرة.
غير أن الثمرة لا تلغي المراحل السابقة، بل تحتويها جميعاً؛ إذ لا يمكن أن تتحقق إلا بفضل البذرة، ثم الساق، ثم الأوراق، ثم الزهرة. فجميع هذه المراحل محفوظة فيها، وإن كانت قد تجاوزتها.
ومن هنا يميز هيغل بين تطور الطبيعة وتطور الروح.
ففي الطبيعة تبدو المراحل منفصلة بعضها عن بعض، ويحل اللاحق محل السابق.
أما في تطور الروح، فإن كل مرحلة جديدة تستوعب المراحل السابقة وتحفظها داخلها، فلا يكون هناك إلغاء مطلق، بل حفظ وتجاوز في الوقت نفسه.
ولهذا يقول هيغل:
«La plus récente philosophie doit contenir tous les principes des philosophies précédentes.»
أي: إن أحدث فلسفة يجب أن تتضمن جميع المبادئ التي كشفت عنها الفلسفات السابقة.
ومن ثم فإن الفلسفة اللاحقة ليست نفياً للفلسفات السابقة، بل هي أرقى صور تحققها، لأنها تحتويها جميعاً داخل بناء نظري أكثر شمولاً وثراءً.
ولهذا فإن مثال النبات لا يراد به مجرد التشبيه، وإنما الكشف عن المنطق الداخلي لتطور الروح؛ فكما لا يمكن للثمرة أن توجد دون المراحل السابقة، كذلك لا يمكن لأي فلسفة جديدة أن تظهر من فراغ، بل إنها تقوم دائماً على استيعاب ما سبقها، ثم إعادة تنظيمه داخل نسق أكثر اكتمالاً.
يفرق هيغل، في هذا السياق، بين تطور الطبيعة وتطور الروح.
فالتطور في الطبيعة تطور إقصائي؛ إذ تحل كل مرحلة محل المرحلة السابقة، فتبدو وكأنها ألغتها نهائياً. أما تطور الروح، فهو تطور تصاعدي واستيعابي، حيث لا تُمحى المراحل السابقة، بل تُستوعب وتُحفظ داخل المرحلة اللاحقة.
وبعبارة أخرى، فإن التطور الطبيعي يقوم على تعاقب منفصل، في حين يقوم تطور الروح على تعاقب تراكمي.
ولكي تتضح هذه الفكرة بصورة ملموسة، يقدم هيغل، في الصفحة 151، مثالاً من تاريخ الفلسفة، وهو مثال الفلسفة الذرية.
ويشير إلى أن الفلسفة الذرية، كما نجدها عند ديموقريطس ثم أبيقور، لا ينبغي النظر إليها بوصفها مرحلة تجاوزها التاريخ وأصبحت بلا قيمة، وإنما باعتبارها لحظة ضرورية في تطور الفكر، أي تعيناً جزئياً (détermination particulière) للفكرة في مرحلة معينة من تاريخها.
وهنا يطرح السؤال:
ما هو التحديد الفلسفي الذي تعبر عنه الذرة؟
يبين هيغل أن مفهوم الذرة يمر بثلاثة مستويات من التحديد.
ففي التحديد الأول تظهر الذرة باعتبارها الوحدة المطلقة غير القابلة للانقسام.
وفي التحديد الثاني تصبح الفرد (l’individu)، أي الوجود المتعين الذي يتميز عن غيره.
أما في التحديد الثالث، وهو الأكثر تعيناً وملموسية، فإن هذا الفرد يتكشف بوصفه الذات (le sujet).
ومن هنا يتضح أن الفكر ينتقل من أكثر صوره تجريداً إلى أكثرها تعيناً وملموسية.
ففي البداية تكون الذرة مجرد وحدة مجردة، ثم تصبح وجوداً فردياً متميزاً، ثم تتحول في النهاية إلى مبدأ الذاتية.
وهذا الانتقال يمثل، في الوقت نفسه، انتقال الفكرة من الوجود في ذاته (An sich) إلى الوجود (Existenz)، ومن الفكر المجرد إلى التصور الملموس.
وتساعدنا هذه القراءة أيضاً على فهم العلاقة بين الفلسفة الذرية ونقد أفلاطون لها.
فقد أدرك أفلاطون أن نقد الذرية عند ديموقريطس ليس مجرد نقد لنظرية في الطبيعة، بل هو نقد للمبدأ الذي تقوم عليه الفلسفة السفسطائية.
فحين يقرر ديموقريطس أن الذرة الفردية هي الأصل المطلق في الوجود الطبيعي، ويقرر بروتاغوراس أن الإنسان هو مقياس كل شيء، أي إن الفرد الجزئي هو المبدأ المطلق في المعرفة والقيم، فإن الفلسفتين، على الرغم من اختلاف موضوعيهما، تنطلقان من مبدأ واحد، هو أن الفرد أو الجزئي يمثل الأساس الأول للحقيقة.
ولهذا كان نقد أفلاطون لديموقريطس يمثل، في الوقت نفسه، نقداً للأساس النظري الذي تستند إليه السفسطائية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو:
هل يعني ذلك أن أفلاطون ألغى مفهوم الفرد أو الجزئي؟
الجواب، عند هيغل، هو: كلا.
فهنا يظهر بوضوح جدل النقض والاستيعاب.
فالذرة، عند أفلاطون، لم تعد ذرة مادية، لكنها تحولت إلى صورة أخرى من الوحدة.
فالمثال الأفلاطوني، مثل الجمال في ذاته، أو العدالة في ذاتها، أو الخير في ذاته، هو أيضاً وحدة غير قابلة للانقسام، وإن كانت تنتمي إلى مستوى الفكر لا إلى مستوى المادة.
وبذلك لم يلغ أفلاطون البنية الأساسية لمفهوم الذرة، بل نقلها من مستوى الوجود الطبيعي إلى مستوى الوجود العقلي.
ومن هنا نفهم أن المبدأ الفلسفي لم يُمح، وإنما أعيد إنتاجه داخل نسق فلسفي جديد أكثر شمولاً.
وهذا هو ما يسميه هيغل جدل النقض والاستيعاب في تاريخ الفلسفة.
فالفلسفة اللاحقة لا تبدأ من الصفر، ولا تهدم ما سبقها هدماً مطلقاً، بل تحتفظ بما هو جوهري في الفلسفات السابقة، ثم تعيد تنظيمه داخل بناء نظري أكثر غنى وأكثر تعيناً.
ولهذا فإن تاريخ الفلسفة، في المنظور الهيغلي، ليس تاريخاً للإلغاء، وإنما تاريخ للتجاوز الذي يحفظ، وللنقد الذي يستوعب، وللتطور الذي يراكم إنجازات الفكر دون أن يفقدها.
ويمكن تقديم مثال آخر يوضح هذه الفكرة، وهو المقارنة بين أفلاطون ونيتشه.
فعادةً ما يصور كثير من المتخصصين في فلسفة نيتشه الإنسان الأعلى (Übermensch) بوصفه النقيض المباشر للفيلسوف الملك عند أفلاطون في الجمهورية. غير أن القراءة الهيغلية تكشف أن الأمر أكثر تعقيداً من مجرد تعارض أو تقابل.
ففي نهاية المطاف، يؤدي الإنسان الأعلى عند نيتشه وظيفة فلسفية مشابهة لوظيفة الفيلسوف الملك عند أفلاطون؛ إذ يمثل كل منهما نموذجاً يتولى قيادة الإنسان وتوجيهه وفق تصور معين للحياة. ولذلك، فعلى الرغم من العداء النظري الواضح بين فلسفة نيتشه وفلسفة أفلاطون، فإن البنية الفلسفية الأساسية تظل محفوظة، وإن أعيد تحديدها داخل أفق فكري جديد.
وينتقل هيغل بعد ذلك إلى نص آخر، يقع في الصفحتين 153–154، يقول فيه:
««Tout principe de l’entendement est unilatéral, et ce caractère apparaît en ceci que le principe opposé l’est également.»»
أي: إن كل مبدأ من مبادئ الفهم هو مبدأ أحادي الجانب، ويظهر هذا الطابع في كون المبدأ المقابل له أحادياً هو الآخر.
ويقصد هيغل بذلك أن كل فلسفة تقوم على مبدأ واحد تميل إلى تضخيمه حتى يبدو وكأنه الحقيقة كلها، بينما يظهر المبدأ المقابل بوصفه أحادي الجانب أيضاً.
أما الكلية العيانية (la totalité concrète)، أي الوحدة التي تستوعب هذين المبدأين المتعارضين، فإنها لا تتحقق في أي منهما على انفراد، وإنما تظهر فقط في مسار تطور الفكر.
ولهذا نجد في تاريخ الفلسفة تعارضات كثيرة، مثل التعارض بين الأبيقورية والرواقية، أو بين مفهوم الجوهر الواحد عند سبينوزا، ومفهوم المونادات الفردية عند لايبنتس.
فكل واحد من هذين الموقفين يعبر عن جانب حقيقي من الحقيقة، لكنه يعبر عنه بصورة أحادية.
أما الحقيقة الملموسة فلا تتحقق إلا عندما يُستوعب هذان الجانبان داخل وحدة أعلى.
ولهذا يضيف هيغل:
««La forme supérieure de la négation consiste à unir en une totalité les diverses philosophies, en sorte qu’aucune ne demeure indépendante.»»
أي إن أعلى صور النفي ليست إلغاء الفلسفات المختلفة، وإنما توحيدها داخل كلية واحدة، بحيث لا تبقى أي فلسفة قائمة بذاتها بوصفها مطلقة.
فالمبادئ التي كانت تقدم نفسها، كل واحدة منها، باعتبارها الحقيقة المطلقة، تصبح داخل النسق الأعلى مجرد لحظات أو تعينات للفكرة الواحدة.
وهنا يتحقق ما يسميه هيغل الكلية العيانية (la totalité concrète).
ومن المهم التمييز بين هذه الكلية وبين النزعة التلفيقية (l’éclectisme).
فالكلية العيانية ليست مجرد جمع خارجي بين آراء متعارضة، وليست عملية لصق لمبادئ مختلفة دون رابطة داخلية، وإنما هي الوحدة الحقيقية التي تنشأ من تطور هذه المبادئ نفسها.
ولهذا يقول هيغل إن الكلية ليست مجرد:
««Un simple assemblage de diverses opinions.»»
بل هي الوحدة الداخلية التي تنتج عن تطور الاختلافات نفسها، بحيث تصبح هذه الاختلافات لحظات داخل بنية واحدة.
ويشير هيغل بعد ذلك إلى أن دراسة تاريخ الفلسفة تمكننا من اكتشاف بعض اللحظات التاريخية التي تتحقق فيها هذه الكلية العيانية بصورة واضحة.
ويضرب لذلك مثالاً بفلسفة أفلاطون.
فعند قراءة محاورات أفلاطون نلاحظ حضور عناصر متعددة من الفلسفات السابقة.
فبعض المحاورات تكشف أثراً واضحاً للمدرسة الإيلية، وبعضها يحمل طابعاً فيثاغورياً، بينما تظهر في محاورات أخرى تأثيرات هيراقليطس.
غير أن أفلاطون لا يجمع هذه العناصر جمعاً خارجياً، بل يعيد تنظيمها داخل وحدة فلسفية جديدة تكشف حدود كل واحدة منها، وفي الوقت نفسه تحفظ ما هو حقيقي فيها.
ولهذا فإن فلسفة أفلاطون ليست فلسفة انتقائية (éclectique)، وإنما هي فلسفة تؤسس وحدة حقيقية للفلسفات السابقة.
ويضرب هيغل مثالاً آخر بالأفلاطونية المحدثة (le néoplatonisme)، التي أعادت بدورها استيعاب عدد كبير من المبادئ الفلسفية اليونانية داخل نسق جديد أكثر شمولاً.
وهذان المثالان يوضحان كيف تتشكل، عبر تاريخ الفلسفة، لحظات تبلغ فيها الفكرة درجة أعلى من الكلية، فتستوعب المبادئ السابقة وتعيد ترتيبها داخل بناء فلسفي أوسع.
ومن هنا يؤكد هيغل أن الكلية (la totalité) لا توجد عند أي من الطرفين المتعارضين، بل تتحقق فقط في مسار التطور الجدلي.
فلا سبينوزا يمتلك الحقيقة كاملة، ولا لايبنتس يمتلكها وحده، وإنما تظهر الحقيقة الكاملة عندما يُستوعب كل واحد منهما داخل حركة تطور الفكر، بوصفهما لحظتين ضروريتين في تكوّن الكلية العيانية.
إن الكلية العيانية (la totalité concrète) ليست معطى ثابتاً، بل هي موجودة في حركة الفكر نفسها؛ فهي الحركة التي تستوعب التناقض، وفي الوقت ذاته تنتجه بوصفه لحظة ضرورية من لحظات التطور. ولهذا فإنها لا تتحقق في أي من المبدأين المتعارضين، وإنما في الفلسفة التي تأتي بعدهما، وتحمل المبدأين معاً باعتبارهما لحظتين ضروريتين داخل وحدة أعلى.
وهنا يميز هيغل تمييزاً حاسماً بين الكلية العيانية وبين النزعة التلفيقية (l’éclectisme).
فالكلية العيانية هي الهوية الحقيقية للاختلافات؛ فهي لا تعيد إنتاج التعارضات بصورة خارجية، ولا تكتفي بجمع المبادئ المتناقضة جنباً إلى جنب، بل تستوعبها من الداخل بوصفها لحظات ضرورية في بنية واحدة. ولذلك فإن الفوارق والاختلافات لا تختفي، وإنما تُحفظ بوصفها تعينات داخلية للكل.
وهذا هو النقيض تماماً للنزعة التلفيقية، التي لا تقدم سوى تجميع خارجي لآراء مختلفة، من دون وحدة داخلية أو ضرورة عقلية تربط بينها.
ثم ينتقل هيغل إلى نص آخر، في الصفحة 154، يقول فيه:
««La raison est une, et c’est pour cela que l’évolution de la pensée est également une.»»
أي: إن العقل واحد، ولذلك فإن تطور الفكر واحد أيضاً.
ويضيف أن المبادئ العامة تظهر وفق ضرورة المفهوم (la nécessité du concept)، بحيث إن كل مبدأ فلسفي يحتل موقعه داخل مسار التطور العقلي، ولا يمكن فهم هذا الموقع إلا في ضوء ما يأتي بعده.
فالمبدأ الذي كان يبدو في لحظة معينة أساساً مطلقاً، يصبح، عندما تظهر فلسفة لاحقة، مجرد لحظة داخل نسق أوسع. فالفلسفة الجديدة لا تلغي المبدأ السابق، وإنما تعيد تحديد موقعه ووظيفته.
ويضرب هيغل مرة أخرى مثال النبات، حيث تصبح الورقة، التي كانت تمثل مرحلة أساسية في نمو النبات، مجرد غلاف يخدم ظهور الزهرة، ثم تتحول الزهرة بدورها إلى مرحلة ضرورية لظهور الثمرة.
ولهذا يقول:
««La réfutation est nécessaire pour que le fruit apparaisse.»»
أي إن النقض ضروري لكي تظهر الثمرة.
فالنقض، عند هيغل، ليس هدماً أو إبطالاً، وإنما هو الشرط الذي يسمح للفكرة بأن ترتقي إلى مستوى أعلى من التحقق.
ويؤسس هذا النص مبدأين أساسيين في فلسفة هيغل:
الأول هو وحدة العقل.
والثاني هو عقلانية تطور الفكر.
غير أن وحدة العقل لا تعني أن جميع الفلسفات تقول الشيء نفسه، أو إنها تعبر عن مضمون واحد بطريقة متطابقة، وإنما تعني أن ما يتطور عبر تاريخ الفلسفة هو عقل واحد، يتعرف إلى ذاته تدريجياً من خلال تعينات متصاعدة ومتزايدة في الثراء.
ولهذا لا يكون تاريخ الفلسفة متحفاً للآراء، ولا مقبرة للأفكار، بل تاريخاً لحركة العقل وهو يكتشف ذاته.
ويؤكد هيغل أيضاً أن موقع الفلسفة السابقة لا يتحدد إلا بالفلسفة اللاحقة.
فإذا أردنا أن نفهم الفلسفة الذرية، فإن فهمها الكامل لا يتحقق من داخلها وحدها، وإنما في ضوء أفلاطون. وإذا أردنا أن نفهم أفلاطون، فإننا نحتاج إلى أرسطو، وهكذا دواليك.
فالفلسفة اللاحقة لا تكشف خطأ الفلسفة السابقة فحسب، بل تكشف أيضاً معناها الكامل، أي ذلك البعد الذي لم يكن ظاهراً فيها هي نفسها.
ومن هنا يصل هيغل إلى نتيجة منهجية بالغة الأهمية، وهي أن تاريخ الفلسفة لا يُقرأ إلا من الخلف إلى الأمام.
فنحن لا ننطلق من الماضي لفهم الحاضر، بل ننطلق من الحاضر لفهم الماضي؛ تماماً كما نفهم الشجرة انطلاقاً من الثمرة، لا العكس.
ولهذا فإن الفلسفة الأحدث هي التي تمتلك مفتاح فهم الفلسفات السابقة، لأنها تكشف الموقع الحقيقي الذي تشغله داخل تطور الفكر.
وعلى أساس هذه النتائج يطرح هيغل السؤال المنهجي الحاسم:
إذا كان تاريخ الفلسفة هو تاريخ تطور العقل الواحد عبر تعيناته الضرورية، وإذا كانت الفلسفات تتعاقب وفق منطق داخلي، فكيف ينبغي أن ندرس هذا التاريخ؟
للإجابة عن هذا السؤال يبدأ هيغل، في الصفحتين 156–157، بنقد ما يسميه التاريخانية المجردة، أي الطريقة التي تتعامل مع تاريخ الفلسفة بوصفه مجرد تسلسل زمني للآراء والأحداث.
ويبين أن نقد هذا المنهج المجرد هو المدخل الضروري لتأسيس المنهج الملموس في دراسة تاريخ الفلسفة.
وفي هذا السياق يقول:
««La troisième conséquence de ce qui précède, c’est que, dans l’histoire de la philosophie, nous n’avons pas affaire au passé.»»
أي: إن النتيجة الثالثة لما سبق هي أننا، في تاريخ الفلسفة، لا نتعامل مع الماضي.
والمقصود بذلك أن الأفكار الفلسفية التي ندرسها ليست مجرد بقايا تاريخية انتهى زمنها، وإنما هي، في حقيقتها، أفكارنا نحن أيضاً. فهي تشكل بنية الفكر الذي نفكر به في الحاضر، وتاريخها هو، في الوقت نفسه، تاريخ وعينا الذاتي.
ومن ثم، فإن تاريخ الفلسفة ليس تاريخاً لماضٍ ميت، بل هو تاريخ العقل الحاضر فينا، وهو يواصل تعرفه إلى ذاته عبر المسار الطويل لتطوره.
بعد أن أسس هيغل النتائج السابقة، ينتقل إلى نقد ما يسميه النزعة التاريخية المجردة (l’historicisme abstrait).
ويقصد بها ذلك الاتجاه الذي يتعامل مع تاريخ الفلسفة بوصفه مجموعة من الموضوعات الميتة، أو بوصفه أرشيفاً للأفكار التي انتهى زمنها، فيكتفي بجمعها وتصنيفها وتوثيقها، دون أن يدرك حضورها الحي في الفكر المعاصر.
ويرى هيغل أن هذا الاتجاه أصبح نزعة سائدة في عصره، وهي نزعة يجد أصحابها راحتهم في الاهتمام بالماضي بوصفه ماضياً، وبالأفكار بوصفها آثاراً تاريخية لا أكثر.
ولهذا يستحضر العبارة الإنجيلية الشهيرة:
««دعوا الموتى يدفنون موتاهم، واتبعني.»»
ويجعل منها رمزاً لنقد هذا المنهج.
فالموتى، في هذا السياق، ليسوا الأشخاص، وإنما الأفكار التي تُعامل كما لو كانت جثثاً تاريخية فقدت حياتها.
أما الروح الحية، فإنها لا تقيم في الماضي بوصفه ماضياً، بل تستحضر الماضي باعتباره عنصراً حياً في الحاضر.
ولهذا يؤكد هيغل أن الأفكار والحقائق التي أمتلكها امتلاكاً تاريخياً صرفاً هي، في الحقيقة، أفكار خارج فكري وخارج روحي؛ لأنها لا تشارك في النشاط الحي للفكر.
فمجرد معرفتي بما قاله أفلاطون، أو أرسطو، أو نيتشه، لا يعني أنني أفكر معهم أو من خلالهم.
إن هذا النوع من المعرفة يظل معرفة خارجية، لأن النشاط التحويلي للفكر (l’activité de la pensée) غائب عنها.
ويضرب هيغل لذلك مثالاً واضحاً، فيقارن امتلاك المعرفة التاريخية بامتلاك شيء من الناحية القانونية دون معرفة كيفية استعماله.
فالإنسان قد يمتلك شيئاً، لكنه لا يعرف ماذا يصنع به ولا كيف يستخدمه.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعرفة التاريخية؛ فقد أعرف بدقة ما قاله أفلاطون في العدالة، أو ما قاله نيتشه في الأخلاق، أو ما قاله أرسطو في الجوهر، لكن هذه المعرفة تبقى معرفة ميتة إذا لم تتحول إلى فعل من أفعال الفكر الحاضر.
ولهذا فإن الاكتفاء بمعرفة ما قاله هذا الفيلسوف أو ذاك يعني التخلي عن أهم ما يميز الإنسان، وهو التفكير بنفسه.
فالذي يكتفي بإعادة أقوال الفلاسفة لا يستدعي فكره الخاص، وإنما يجعل فكره تابعاً لفكر غيره.
ولهذا يقول هيغل:
««Si l’on ne s’occupe qu’historiquement de théologie, en apprenant par exemple ce que des conciles, des hérétiques ou des théologiens ont pensé de la nature de Dieu, on peut sans doute avoir des idées édifiantes, mais non la véritable connaissance.»»
أي: إذا انشغل الإنسان بعلم اللاهوت انشغالاً تاريخياً محضاً، فتعلم ما قالته المجامع الكنسية، أو الهراطقة، أو اللاهوتيون عن طبيعة الله، فإنه قد يكتسب ثقافة واسعة أو معلومات نافعة، لكنه لا يبلغ المعرفة الحقيقية.
فالمعرفة الموسوعية، مهما اتسعت، لا تكفي وحدها لإنتاج الفكر.
ومن هنا ينتقد هيغل ذلك المنهج الذي يطالب الباحث بأن يعزل فكره عن موضوع دراسته، وأن يكتفي بوصف الوقائع التاريخية كما هي.
ويرى أن سيادة هذه النزعة التاريخية المجردة تدل على أن روح العصر فقدت ثقتها بقدرتها على التفكير، واكتفت بجمع ما أنتجه الآخرون.
وفي هذا السياق يعيد هيغل استحضار العبارة الإنجيلية: «دعوا الموتى يدفنون موتاهم.» وهو لا يستشهد بها استشهاداً دينياً، وإنما يوظفها فلسفياً في نقد التاريخانية المجردة.
ولكي نفهم هذا النص ينبغي أن نستحضر النتائج الثلاث التي توصل إليها هيغل.
النتيجة الأولى: هي أن لا شيء يضيع في تاريخ الفلسفة؛ فالمبادئ الفلسفية تُحفظ، والنقض لا يستهدف المبدأ نفسه، بل يستهدف ادعاءه المطلق وموقعه داخل النسق.
والنتيجة الثانية هي أن الفلسفة اللاحقة أعلى من الفلسفة السابقة، لا لأنها تلغيها، بل لأنها تستوعبها داخل وحدة أكثر شمولاً.
أما النتيجة الثالثة فهي أن تاريخ الفلسفة ليس تاريخاً للماضي بالمعنى الأرشيفي، وإنما هو تاريخ الحاضر وهو يتعرف إلى ذاته.
ولهذا يقول هيغل إن تاريخ الفلسفة هو تاريخ، ولكنه في الوقت نفسه ليس تاريخاً؛ لأنه لا يتعامل مع الماضي بوصفه شيئاً انقضى، بل بوصفه البنية الداخلية التي يتكون منها الحاضر.
فإذا كانت المبادئ الفلسفية لا تُمحى، بل تبقى حية داخل الفلسفات اللاحقة، فإن الماضي لا يكون ماضياً بالمعنى الحقيقي، وإنما يكون حاضراً في صميم الفكر المعاصر.
فالذرية تبقى حاضرة في أفلاطون، وأفلاطون يبقى حاضراً في أرسطو، وأرسطو يبقى حاضراً في هيغل، وهكذا يستمر تاريخ الفكر بوصفه حضوراً دائماً للماضي داخل الحاضر.
وعلى هذا الأساس، فإن تاريخ الفلسفة ليس مجرد سرد تاريخي للأحداث أو عرض متتابع للمذاهب، وإنما هو تحليل للحاضر، وتفكيك للبنية الفكرية التي تشكل وعينا الراهن، والكشف عن المسار الذي سلكه العقل حتى بلغ صورته الحالية.
ولهذا يرفض هيغل أن يُختزل تاريخ الفلسفة في مجرد الجمع والتصنيف والتوثيق، على الرغم من أهمية هذه الأعمال. فهي أعمال ضرورية للمؤرخ، لكنها لا تكفي للفيلسوف.
فالفيلسوف لا يدرس الماضي لأنه ماضٍ، بل لأنه ما يزال حياً في الحاضر، ولأن فهم الحاضر لا يتحقق إلا بإدراك الحركة التاريخية التي كوّنت هذا الحاضر نفسه.
ولهذا يصف هيغل النزعة التاريخية المجردة بأنها تعبير عن قلب ميت يجد رضاه في الانشغال بما هو ميت.
فالمؤرخ الذي يشتغل وفق هذا المنهج قد يمتلك معرفة واسعة ودقيقة بما قاله أفلاطون في كل محاورة، أو بما قاله أرسطو، أو سبينوزا، أو نيتشه، لكنه، من منظور هيغل، لا يمتلك هؤلاء الفلاسفة في روحه. إنه يعرف أقوالهم، لكنه لا يشارك في الحركة الفكرية التي أنجبت تلك الأقوال، ولا يجعلها جزءاً من نشاط فكره الحاضر.
أما التاريخية العيانية (l’historicisme concret)، التي سيمهد لها هيغل في الصفحات اللاحقة، فتنظر إلى الفلسفات الماضية بوصفها تعينات للروح الحاضر، أي بوصفها البنية الداخلية للفكر الذي ما زال يعيش فينا.
ومن ثم، فإن المؤرخ لا يدرس أفلاطون باعتباره ظاهرة تاريخية غريبة أو منقضية، وإنما يدرسه باعتباره لحظة من لحظات تطور العقل الذي ينتمي إليه هو نفسه.
ويضرب هيغل مثالاً بعلم اللاهوت. فمن يعرف بالتفصيل ما قاله آريوس، أو آباء الكنيسة، أو المجامع الكنسية حول طبيعة المسيح أو طبيعة الله، قد يمتلك بالفعل معرفة تاريخية غزيرة، لكن هذه المعرفة لا تمنحه، في حد ذاتها، الروح الحقيقية (l’esprit véritable)، أي الفهم الفلسفي العميق للمسائل التي كانت موضع ذلك الجدل.
فالمعرفة التاريخية، مهما بلغت دقتها، تبقى معرفة خارجية إذا لم تتحول إلى فعل حي من أفعال الفكر.
ولهذا يستنتج هيغل أن النزعة التاريخية المجردة، لأنها تستبعد نشاط الفكر الحاضر من دراسة الموضوعات التاريخية، لا تسود إلا في الأزمنة التي تفقد فيها الروح ثقتها بنفسها.
ففي عصور اليأس (le désespoir) ينصرف الفكر إلى الأرشفة، والتجميع، والتوثيق، والنقل، بدلاً من الانخراط في التفكير الحي (la pensée vivante) والتأمل الحي (la réflexion vivante).
وعندما تبلغ الروح هذه المرحلة، فإنها تكف عن الإيمان بقدرتها على إنتاج معرفة جديدة، وتبحث عن ملاذها في الماضي، فتتعامل معه باعتباره غاية في ذاته، لا باعتباره لحظة من لحظات تطور العقل الحاضر.
ومن هنا تتضح أهمية النقد الذي يوجهه هيغل إلى التاريخية المجردة؛ فهو لا يرفض البحث التاريخي في ذاته، ولا يقلل من قيمة التوثيق والتحقيق، وإنما يرفض أن يصبح ذلك بديلاً عن الفهم الفلسفي الحي.
وبهذا ينتهي هيغل إلى تمهيد السؤال المنهجي الذي سيشكل محور البحث اللاحق، وهو:
كيف ينبغي أن نقرأ تاريخ الفلسفة؟
فإذا كان تاريخ الفلسفة هو تاريخ العقل، وإذا كانت الفلسفات السابقة ما تزال حاضرة في الفكر المعاصر، فكيف يمكن قراءة هذا التاريخ قراءة حية، لا قراءة ميتة كتلك التي تقدمها النزعة التاريخية المجردة؟
وبأي موقف ينبغي أن يقف الفيلسوف من مادته التاريخية حتى تتحول دراسة الماضي إلى فعل من أفعال الفكر الحاضر، لا إلى مجرد حفظ للأقوال أو تجميع للوثائق؟
هذا هو السؤال الذي يمهد له هيغل، والذي سيكون المدخل إلى بحث منهج دراسة تاريخ الفلسفة في الدرس اللاحق.
ختاماً، أشكركم على حسن المتابعة، وآمل أن نلتقي في المحاضرة القادمة لمواصلة دراسة المنهج الهيغلي في قراءة تاريخ الفلسفة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

