محاضرة. الاستاذ محتار منودي
كتابة وتحرير : كرار جمعة الامارة
مرحبًا، صباح الخير.
نستمر اليوم مع هيغل وكتابه «دروس في تاريخ الفلسفة». وكنا قد وصلنا في المحاضرة الأخيرة إلى قضية المنهج، أي منهج تاريخ الفلسفة من منظور هيغل.
والتساؤل الذي سنحاول معالجته اليوم هو: ما المنهج الذي ينبغي اتباعه في دراسة تاريخ الفلسفة من منظور هيغل؟
وسنحاول، من خلال هذه المحاضرة، أن نبيّن مميزات هذا المنهج في تاريخ الفلسفة.
أول ما يثير الانتباه في هذا المجال هو أن هيغل كان قد انتبه إلى استحالة دراسة تاريخ الفلسفة في شموليته. وبالتالي، فإن تاريخ الفلسفة لا يمكنه أن يهتم بكل التفاصيل والجزئيات. لذلك كان هيغل ملزمًا بتحديد موضوع هذا التاريخ، وقد حدده في المبادئ الفلسفية وتطورها. بمعنى أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ المبادئ الفلسفية وتطورها.
وفي هذا السياق، نبدأ دائمًا بالنص نفسه، وبالإحالة نفسها التي استندنا إليها في المحاضرة الأولى. ففي الفصل الثالث، المعنون «نتائج فيما يخص منهج تاريخ الفلسفة»، يتحدث هيغل عن حدود الموضوع الذي ينبغي الاشتغال عليه.
وهذا الفصل، في الأصل، يمثل جزءًا من المحاضرات التي كان هيغل يلقيها في الجامعة. ومن الواضح أن فصلًا واحدًا لا يمكن أن يكون كافيًا لتقديم تاريخ شامل للفلسفة؛ لأن تاريخ الفلسفة يرتبط بتاريخ الروح الذي امتد عبر ملايين السنين. ولذلك ينبغي تحديد مجال الاشتغال ورسم حدوده.
يقول هيغل، في هذا السياق:
«مما قلناه حتى الآن بشأن نوع التاريخ الذي نتحدث عنه، فيما يتعلق بـ…»
والمقصود هنا هو تحديد موضوع البحث الذي سنشتغل عليه. فبالنسبة إلى هيغل، نحن نهتم بالمبادئ التي تقوم عليها الفلسفات وتطور هذه المبادئ.
وفي هذا الإطار، يطبّق هيغل هذا التصور على حالة الفلسفات القديمة، إذ يقول إن الفلسفات القديمة تتسم بكونها أكثر تجريدًا وأبسط، ولهذا السبب فهي أقل تعيّنًا؛ أي إن التعيين الملموس لا يكون حاضرًا فيها بصورة واضحة.
ومع ذلك، فهذا لا يعني أن هذه المبادئ القديمة خاطئة أو عديمة القيمة. بل إنها تتضمن مجموعة من التعيينات والمبادئ المجردة التي تكون كافية إلى درجة معينة، وتمتلك قدرة على العمل والتفسير إلى أن تصل إلى نقطة معينة.
إذن، ما الذي يريد هيغل قوله؟
يريد أن يقول إن المبادئ الفلسفية المجردة، أو البسيطة، أو غير المتعينة، هي مبادئ لها مجال محدد للاشتغال. أي أن لها قيمة ووظيفة داخل مجال معين، ولكن هذا المجال يكون محدودًا.
وعندما ننتقل إلى مجال أكثر عينية وملموسية، فإن هذه المبادئ المجردة لا تعود قادرة على أداء الوظيفة المعرفية نفسها التي كانت تؤديها في المجال الأول.
وهنا ننتقل إلى فكرة أساسية عند هيغل، وهي أن تطور المبادئ هو تطور غير كامل. ولذلك فإن تاريخ الفلسفة لا يمكن فهمه إلا من خلال تتبع تطور المبادئ الفلسفية وانتقالها من مستوى إلى آخر.
وسيعطينا هيغل مثالًا من هذا النص حتى يوضح لنا معنى المبدأ المجرد في تاريخ الفلسفة.
ما المقصود بالمبدأ المجرد عند هيغل؟ هذا واضح من النص. فحين يتحدث عن «المبدأ المجرد»، فإنه لا يقصد أن هذا المبدأ خاطئ. هيغل لا يقول إن المبدأ الفلسفي المجرد مبدأ خاطئ، وإنما يقول إنه مبدأ غير كافٍ.
وما معنى أنه غير كافٍ؟
المقصود أنه يمتلك مجالًا محددًا للاشتغال. فإذا انتقلنا من ذلك المجال إلى مجال آخر أكثر عينية وملموسية، فإن المبدأ المجرد لا يعود قادرًا على أداء الوظيفة نفسها.
ويعطينا هيغل مثالًا على ذلك من خلال مبدأ الميكانيزم أو الآلية.
فإذا اتبعنا هذا المبدأ في معالجة الطبيعة الحيوانية، فإننا لن نشعر بالرضا؛ لأننا سنكتشف أن مبدأ الميكانيزم لا يقدم لنا معرفة كافية بالطبيعة الحيوانية.
فعندما نصل إلى حالة الطبيعة الحيوانية، لا نعود بحاجة إلى المبدأ المجرد نفسه، أي مبدأ الميكانيزم، وإنما نحتاج إلى مبدأ أكثر عينية وملموسية.
لماذا؟
لأننا في مجال الطبيعة الحيوانية نكون أمام مجال الكائن الحي، ومجال الكائن الحي أكثر ملموسية وعينية من مجال الطبيعة غير العضوية.
ويستمر هيغل في النص بالحديث عن التفسيرات المتعلقة بالطبيعة النباتية والحيوانية وفقًا لهذا المبدأ. وهذه التفسيرات، وكل ما يتعلق بالكائن الحي، تكون غير كافية إذا اعتمدنا على مبدأ مجرد وحده.
فالمبدأ المجرد تكون له قيمة داخل مجال معين، ولا يمكننا أن ننتزعه من ذلك المجال ونطبقه بصورة آلية على مجال آخر أكثر ملموسية، كالمجال الخاص بالكائن الحي.
إذن، مبدأ الميكانيزم، أي مبدأ الآلية، له قيمته ضمن مجال محدد من الظواهر، لكنه لا يكفي لتفسير مجال أكثر عينية وتعقيدًا، مثل مجال الكائن الحي.
إن الطبيعة اللامتعضية، la nature inorganique، تنتمي إلى مجال أكثر تجريدًا، في حين أن مجال الكائن الحي هو مجال ملموس وعيني. ولذلك لا يمكن أن نأخذ مبدأً يفسر مجالًا معينًا ونطبقه بصورة مباشرة على مجال أرقى منه من حيث التعقيد والعينية.
ومن هنا يمكن أن نفهم قول هيغل إن المبدأ يكون غير كافٍ عندما يتعلق الأمر بفلسفة أرقى للحياة والروح.
إذا توقفنا عند هذا النص، نجد أن هيغل يشرح لنا أولًا قضيتين أساسيتين.
أولًا: من أين ينطلق هيغل؟ ولماذا ينطلق من الفلسفات القديمة؟
ينطلق من الفلسفات القديمة لأنها تظهر بوصفها الفلسفات الأكثر تجريدًا، والأكثر بساطة، والأقل تعينًا. فـ التعيين الملموس، أو la détermination concrète، لا يكون مطروحًا فيها بصورة واضحة.
ويشرح لنا هيغل كذلك معنى المبدأ المجرد، أي: ما الذي يعنيه أن يكون لدينا مبدأ فلسفي مجرد؟
وقد أعطانا مثالين أساسيين: مبدأ الميكانيزم أو الآلية، ومبدأ الذرية.
وباختصار، لا يمكننا أن نفسر، من خلال مبدأ الميكانيزم أو مبدأ الذرية، تطور الكائن الحي. يمكن تطبيق هذه المبادئ في تفسير بعض ظواهر الطبيعة غير العضوية، ولكن عندما ننتقل إلى مجال الحياة، فإن الأمر يختلف.
فمثلًا، كيف يمكننا أن نفهم، انطلاقًا من مبدأ الميكانيزم، كيف تتحول البذرة إلى شجرة؟ لا يمكن لهذا المبدأ أن يقدم لنا تفسيرًا كافيًا لهذه العملية.
وبالتالي، فإن المبدأ المجرد ليس مبدأً خاطئًا. هيغل لا يقول إن المبدأ المجرد خاطئ أو باطل، وإنما يقول إن لهذا المبدأ مجالًا محددًا للاشتغال. وهذا المجال يكون مجردًا إذا قورن بمستوى آخر أكثر ملموسية أو أكثر عينية.
والأمر نفسه ينطبق على مبدأ الذرية.
هل يمكننا، انطلاقًا من مفهوم الذرة الذي نجده في الفلسفة القديمة، أن نفهم النبات، أو أن نفهم شيئًا ينمو ويتطور ويحقق ذاته؟
إننا لا نستطيع أن نستوعب الحياة النباتية والحيوانية من خلال مبدأ الذرية، أو مبدأ الآلية، أو الميكانيزم.
وهنا نلاحظ أمرًا مهمًا جدًا في نص هيغل، وهو محورية الحجة البيولوجية عنده.
فيمكن القول إن البيولوجيا، أي علوم الحياة، تؤدي دورًا نقديًا مهمًا في معظم الحجج التي يقدمها هيغل ضد المبادئ الفلسفية المجردة. وحتى مبدأ عدم التناقض يدخل في هذا السياق، وسنصل إليه لاحقًا ونبين لماذا.
ينظر هيغل إلى مبدأ عدم التناقض بوصفه مبدأً مجردًا؛ لأنه لا يستطيع أن يفسر لنا، مثلًا، كيف تنتقل الأشياء من الوجود في ذاته إلى الوجود لذاته، أي من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.
بعبارة أخرى، عندما نتحدث عن التطور، فإننا لا نستطيع تفسير عملية التطور بالاعتماد على مبدأ عدم التناقض وحده.
وهنا تظهر محورية الحجة البيولوجية، أو أهمية النموذج النقدي الذي تقدمه البيولوجيا عند هيغل.
وقد أُنجزت مجموعة من الدراسات والأبحاث حول علاقة هيغل بالبيولوجيا، وكذلك حول علاقة ديالكتيك هيغل بالعلوم البيولوجية، وستتاح لنا لاحقًا فرصة للوقوف عند هذه الدراسات والأبحاث.
كان هيغل مهتمًا بصورة دقيقة بأعمال بلوباخ، الذي كان من علماء البيولوجيا، وكذلك بأعمال كيليماير، الذي قدم نظرية في التطور العضوي قبل داروين، فضلًا عن فلسفة شلنغ في الطبيعة.
وهذه ثلاثة مصادر أساسية تساعدنا على فهم محورية الحجة البيولوجية في نقد هيغل للمبادئ الفلسفية المجردة.
ومن خلال هذه المصادر، استطاع هيغل أن يستوعب الإشكال المترتب على تمثّل الجسم باعتباره آلة، أو الحيوان باعتباره ساعة. كما أدرك أن مبدأ الذرية ومبدأ الميكانيزم يصطدمان بظاهرة التطور العضوي.
وبالتالي، استنتج هيغل أن الميكانيزم، بوصفه مبدأً، لا يستطيع أن يفسر لنا كيف تنتج البذرة شجرة، أو كيف تستطيع الكائنات الحية أن تجدّد أعضاءها، أو كيف يتطور الجنين من خلية واحدة إلى كائن حي معقد.
هذه الإشكالات، كما يلاحظ هيغل، لا يستطيع مبدأ الذرية ولا مبدأ الميكانيزم أن يقدما لها تفسيرًا كافيًا.
وهنا نكون أمام مجال الحياة ومجال الكائن الحي، وهو مجال ملموس، وأكثر ملموسية من مجال الطبيعة اللامتعضية.
والأمر نفسه يظهر، مثلًا، في حالة مبدأ عدم التناقض.
فلا نستطيع أن نفهم بهذا المبدأ وحده كيف يمكن للبذرة أن تكون شجرة، وفي الوقت نفسه ألا تكون شجرة بعدُ. فالبذرة ليست شجرة بالفعل، لكنها تحمل إمكانية أن تصبح شجرة. ومن منظور مبدأ عدم التناقض الصوري، يبدو الأمر متناقضًا: كيف يمكن للشيء أن يكون هو نفسه، وفي الوقت ذاته ليس هو نفسه؟
ومن هنا يبقى مبدأ عدم التناقض مبدأً مجردًا، كما أن مبدأ الميكانيزم مبدأ مجرد، ومبدأ الذرية مبدأ مجرد.
لكنها ليست مبادئ مجردة لأنها خاطئة، وليست باطلة، وإنما لأنها تمتلك مجالًا مجردًا ومحدودًا للاشتغال، وبنية هذه المبادئ لا تسمح لها بتفسير ظواهر مثل التطور، والحياة، والطبيعة الحيوانية، والطبيعة النباتية، وما إلى ذلك.
وهذه مسألة مهمة جدًا لفهم هيغل.
فعندما يقول هيغل «مبدأ مجرد»، ماذا يقصد؟
إنه لا يقول: هذا المبدأ خاطئ.
وإنما يقول: هذا المبدأ يمتلك مجالًا محدودًا للاشتغال، وهذا المجال نفسه ذو طبيعة مجردة، ولذلك لا يستطيع المبدأ أن يتجاوز حدوده وأن يفسر مجالًا أكثر عينية وملموسية منه.
مقارنةً بمجال آخر أرقى منه، وهو مجال الكائن الحي، أو مجال التطور البيولوجي، أو التطور الحيواني والنباتي، سندخل الآن في النص الذي سيطرح لنا القضية والمنهج بشكل واضح وصريح. النص موجود في الصفحتين 162 و163، أي في المصدر نفسه، الصفحتان 162 و163.
هيغل سيبدأ أولًا بتعريف الملموس. هنا يعطينا مفهوم le concret. مفهوم العياني، le concret، سواء الملموس أو العياني، هو ما هو في ذاته ولذاته، ce qui est en soi et pour soi. وحده الوجود في الذات والوجود لذاته. وهذا الوجود في الذات هو البداية، le milieu général، أي الفوري والعام المجرد. هو البداية، البداية التي لم نصل فيها بعد إلى شيء آخر أو إلى مرحلة أخرى.
الدرجة الثانية هي الوجود لذاته، l’être-pour-soi. وفي الدرجة الثالثة يأتي ما هو في ذاته وما هو لذاته. إن الملموس يأتي بعد ذلك، أي يأتي كنتيجة؛ فهو نتاج وليس معطًى: le concret est un résultat et non une donnée. وهذه النقطة أساسية، وهي التي تميز هيغل عن الفلسفات الذاتية، وكذلك عن الظاهراتية، la phénoménologie. وسنرى هذه النقطة فيما بعد.
إن نقطة الانطلاق تكون دائمًا الأكثر تجريدًا، وتكون الأكثر فقرًا من ناحية التحديدات أو من ناحية التعيينات. Différence, pour être déterminée, doit être contradictoire… ومن هنا يمكن أن نظن أن الملموس هو الذي يأتي في البداية، dans la totalité première.
أعتقد أن الطفل، مثلًا، عندما يكون في الخامسة، أي في الكلية البدائية، تكون طبيعته أنه يعيش في الأحاسيس، وبالتالي يكون في الملموس. L’homme est une totalité. فالإنسان، مقارنةً بالطفل، يضع حدودًا، ولا يكون فيه، ولا يكون متمثلًا أو منغمسًا في هذه الكلية الملموسة التي يكون الطفل منغمسًا فيها، بأحاسيسه وما إلى ذلك.
En plus, il se concentre sur une partie du tout، مع أنه ينحصر في جزء من الكل، وبالتالي يكون مجردًا، ويكون تجريديًا.
إذا قلنا إن الإنسان الناضج، للوهلة الأولى، يبدو أن الطفل أكثر ملموسية من الإنسان الناضج. L’homme est abstrait dans l’existence. فالإنسان تكون لديه وجهة اهتمام محددة، فيكون وجوده وجودًا مجردًا مقارنةً بوجود الطفل، الذي يكون وجوده ملموسًا. هذا ما يتبين لنا للوهلة الأولى، أو هذا ما نظنه للوهلة الأولى، pour ainsi dire.
والأمر نفسه، أعتقده فيما يخص تطور الذكاء الإنساني والمعرفة الإنسانية. تبدأ الحساسية والحس بالدرجة الأولى، وهذا ما تقوله نظرية المعرفة الكلاسيكية: نبدأ بالحدوث، ونبدأ بالأحاسيس، ومن بعد نصل إلى المعرفة. أي إننا نبدأ بما هو ملموس:
La sensibilité, l’intuition viennent en premier lieu ; ce qui est tout à fait concret, la pensée vient plus tard.
وعلى العكس، أعتقد في البداية، فيما يخص المعرفة، وفيما يخص التفكير الإنساني، أن الإنسان يبدأ من الحدوث، من sensibilité، ثم ينطلق من معرفة مجردة تقوم بتجريد المعطى الحسي. وهذه هي عملية التجريد، أي إننا نبدأ بالملموس ونصل إلى المجرد.
هنا سيقول هيغل العكس، وسيقدم لنا قلب هذه النظرية، وسيقوم بنوع من renversement théorique لهذه النظرية. وفي الواقع، العكس هو الصحيح.
أول شيء سيقوله لك: لا تقل خطأ. سيقول لك: انتبه، فيما يخص المجال الذي أتحدث فيه، الفلسفة، مجال الفكر. إذا قارنا الحساسية بالفكر، la conscience bien générale, ce qu’il y a de plus…
إذا قارنا الحساسية بالفكر، فمن وجهة نظر عامة، تبدو الحساسية أكثر ملموسية من الفكر، لكنها plus pauvre du point de vue des déterminations، أي أكثر فقرًا من ناحية التحديدات الفكرية.
وهنا يعطينا تمييزًا حاسمًا، سنرى أهميته في تاريخ الفلسفة، وفي تعليقنا على هذا النص.
إذن، فيما يخص le concret، ينبغي أن نميز بين العياني الفكري والعياني الطبيعي.
هنا هيغل، بهذا التمييز، يمكن أن نقول إنه ينجز، في تاريخ الفكر الفلسفي الحديث، ثورةً ضد ما يسميه إيفالد إليانكو، في نظرية المعرفة، le robinsonisme épistémologique، أي «الروبنسونية المعرفية». وسنرى لماذا، وسنشرح هذه الفكرة فيما بعد.
هناك فرق بين العياني الطبيعي والعياني الفكري. الطبيعي متعدد في مواجهة بساطة الفكر. فإذا انطلقنا من وجهة نظر التعدد، أي الحدث الحسي، فإننا نعود إلى المقارنة بين الإنسان والطفل.
إذا كنا في المجال العياني الطبيعي، فإن ذلك الإنسان الناضج يبدو فقيرًا من ناحية الأحاسيس مقارنةً بالطفل، صحيح؟ لكنه يقول لنا: seulement، إذا كنا في المجال العياني الفكري، أو في مجال الفكر، فإن l’enfant، أي الطفل، هو الأكثر فقرًا من ناحية التحديدات الفكرية.
Le concret est le plus déterminé, il est le plus riche du point de vue des idées.
هنا يتعلق الأمر بملموس مختلف عن الملموس الطبيعي. هذا الملموس هو العياني الفكري، أو الملموس الفكري.
الفكر العلمي، الفكر العلمي، هو أكثر عيانية وأكثر ملموسية من الحدث الحسي.
وهذا نص من أهم النصوص عند هيغل، ومن أهم نصوص هيغل في هذا الموضوع. وأتذكر أنه كان عندي، عندما كنت في جامعة Toulouse، درس مع أحد المتخصصين في الفينومينولوجيا، وكان الأستاذ expert، وكانت محاضراته تقريبًا كان الفصل كاملًا يحاول توضيح مفهوم الحدس المقولاتي، l’intuition catégoriale، وبحكم قراءاتي ومرجعيتي، كنت أستند إلى هذا النص لكي أواجه، ولكي أعارض، مفهوم الملموس عند هوسرل مع مفهوم الملموس عند هيغل. فتذكرت هذا السياق، وسأصل إلى هذه النقطة.
إذن، هذا النص محوري، وتقريبًا يعطينا قلب فلسفة هيغل، أي يمكننا أن نقول: قلب فلسفة هيغل، وكيف يفهم هيغل الصعود من المجرد إلى الملموس، أو من المجرد إلى العياني.
كنا قد قلنا في بداية المحاضرة السابقة إن موضوع تاريخ الفلسفة بالنسبة إلى هيغل هو la pensée concrète، أي الفكر العياني، وليس الفكر المجرد، بل الفكر العياني.
لكن هيغل هنا، في هذا النص، يتساءل في البداية ويحاول أن يجيبنا عن السؤال: ما هو العياني في مجال الفكر؟
وهذه الإجابة ستجعلنا نحدد منهجنا في تاريخ الفلسفة. لماذا ستحدد منهجنا في تاريخ الفلسفة؟ لأن الجواب الذي يقدمه هيغل يقلب التوقع الاعتيادي رأسًا على عقب في تاريخ الفلسفة.
العياني لا يعني بالنسبة إليه ما يعنيه العياني في الإدراك الحسي. وبالتالي، إذا كان المنهج يسير من المجرد إلى العياني، أو من المجرد إلى الملموس، فهذا لا يعني أننا ننطلق من الفكر الفلسفي البسيط لنصل إلى الحدس والحساسية وموضوعات الحس والتجربة الحسية، بل يعني العكس تمامًا.
ننطلق من الفلسفات الأكثر فقرًا في التحديدات. ننطلق من طاليس، ومن فيثاغورس، من فلسفة فيثاغورس، وننطلق من بارمنيد مثلًا، نحو الفلسفات الأكثر غنى والأكثر تركيبًا.
وهذا عنده نتيجة منهجية حاسمة، وهي أنه يقضي على الرومانسية في تاريخ الفكر، وعلى الرؤية الرومانسية لتاريخ الفلسفة.
لماذا؟ لأنه يعطينا ترتيبًا للفلسفات في تاريخ الفلسفة، وهو ترتيب تصاعدي: ننطلق من الفقر إلى الغنى الفكري، ومن الأكثر تجريدًا إلى الأكثر عيانية، ومن الأكثر بساطة إلى الأكثر تحديدًا.
مما يعني أن هذا التاريخ، تاريخ الفلسفة، ليس تاريخ انحطاط من كلية أولية إلى تجريد لاحق، كما يتوهم البعض، أو كما نجد ذلك سائدًا في بعض الرؤى الرومانسية لتاريخ الفلسفة.
نجد هذه الرؤية مثلًا عند نيتشه، ونجدها عند هايدغر، وهي سائدة جدًا في العديد من الفلسفات الأخرى.
هيغل يقول: لا.
هنا كذلك، هذا المنهج عند هيغل يتضمن موقفًا نقديًا ضمنيًا، أو موقفًا منهجيًا تاريخيًا كان سائدًا في عصره.
وهو الموقف الذي كان يرى الفلسفات القديمة، والإيونيين، وفلسفات الشرق القديم، إلى آخره، ضربًا من الحكمة الكلية البدائية الأصلية التي فقدها الفكر لاحقًا، أي بالتجريد وبالتخصص.
كانت لدينا حكمة أصلية أولية، ثم بدأ الفكر يمارس التجريد، وبدأ يمارس التخصص، ففقدناها.
هذا الموقف الرومانسي يعكس الترتيب الهيغلي، ويجعل البداية هي الأغنى، والتطور هو الإفقار.
وهيغل يرفض هذا الطرح بالمطلق.
هيغل يقول لنا: البداية هي الأفقر، والتطور هو الأغنى.
هذا هو الجوهر المنهجي في تاريخ الفلسفة.
في ميدان الإدراك الحسي، الطفل أكثر عيانية، والإنسان الناضج أقل عيانية.
أما في ميدان الفلسفة، أو في ميدان الفكر، فالمثال الذي أعطانا إياه هيغل هو أن الإنسان أكثر عيانية من الطفل.
وهذا التمييز بين le concret de la pensée، أي العياني الفكري أو العياني في الفكر، والعياني الطبيعي، هو أساس كل قراءة سليمة لتاريخ الفلسفة بالنسبة إلى هيغل.
هنا، هذا الطرح، وهذا التمييز، كما سبق لي أن ذكرت، يستدعي مباشرة مواجهة مع الموقف الظاهراتي الذي سيطوره هوسرل لاحقًا في مفهوم الحدس المقولاتي، l’intuition catégoriale.
وهذا مفهوم سيطوره هوسرل في البحث السادس من البحوث المنطقية، Recherches logiques.
وقلنا فيه إن هوسرل يرى أن الكليات والبنى المنطقية لا تُستخلص بالتجريد من المعطى الحسي، ولكنها تُعطى لنا في ومضة من الحدس، الذي يكون حدسًا مختلفًا عن الحدس الحسي.
إنه نوع خاص من الحدس سماه هوسرل الحدس المقولاتي، l’intuition catégoriale.
هو حدس يتجاوز الإدراك الحسي، لكنه يحتفظ بطابعه المباشر وبقدرته التأسيسية.
مثلًا، نعرف أن A est A، ونعرف أن الكل أكبر من الجزء، ونعرف أن الأحمر لون.
وهذه الحقائق لا تُبنى عبر وساطة استدلالية أو من خلال التجريد، بل تُرى في ومضة الحدس ذاتها، في ومضة هذا الحدس المقولاتي.
هنا لا توجد حقائق تُبنى عبر وساطة، ولا توجد الوساطة.
إذن، العياني هنا، le concret، له معنى خاص.
وهنا المسألة، وهذه يمكن أن نطورها في محاضرات لاحقة، هي أن نقطة الانطلاق، أو الأساس، أو نقطة الانطلاق التي نضع فيها le concret هي الأساس، وهي نقطة الانطلاق التي نبني عليها بعد ذلك، مثلًا.
وهذه مسألة شرحها مثلًا المفكر جلال العظم في دفاعًا عن المادية والتاريخ. لديّ مرجع كنت قد قرأته منذ مدة.
مثلًا، نجد في الظاهراتية ذلك النقد الذي وجهه هوسرل إلى هيغل، وكذلك هذا هو الأساس لمفهوم هوسرل، وهو مفهوم مغاير لمفهوم l’intuition لديه، أو l’intuition catégoriale.
أما نحن هنا، في سياق الظاهراتية، فإن le concret هو الملموس، هو نقطة الانطلاق في هذا السياق؛ عند هيغل هي le concret. نحن نصل إليه بوصفه معطًى، وهو نتاج، وهو نتيجة، وليس معطًى. وهذه النقطة أساسية.
طبعًا، هنا لا داعي، في هذا التطور، لأن ندخل في النقاش مع الظاهراتية، فهي تيار متشعب جدًا.
الآن، التساؤل المحوري هو: لماذا يميز هيغل بين مجال الفكر ومجال الإدراك الحسي، وبين العياني الطبيعي والعياني الفكري؟
هنا سنلمس أهمية هيغل في تاريخ الفلسفة، وسنلمس كذلك لماذا أصر ماركس على هذه الأهمية في تاريخ الفلسفة.
الفلسفة الحديثة، من جون لوك إلى كانط، كانت تتصور المعرفة على أساس أنها مغامرة فرد معزول، ذات معرفية منفردة تواجه العالم وتعالجه بأدواتها الخاصة: الحواس، والفهم، والمقولات القبلية.
وبالتالي، كانت المعرفة في هذه الفلسفة تبدأ من الذات العارفة كنقطة انطلاق أولى، ولم نكن نتساءل عن هذه الذات العارفة: من أين جاءت؟ كنا نعتبرها هي نقطة البداية.
العقل، مثلًا، عند لوك هو page blanche، أي صفحة بيضاء، تملؤها التجربة الحسية الفردية. والتجربة هنا هي تجربة فرد يدرك العالم بحواسه.
أما المقولات القبلية، كما رأينا، فالفهم عند كانط هو des structures de la subjectivité transcendantale، التي تنظم التجربة من الداخل.
هذا هو الذي سميناه قبلًا الروبنسونية المعرفية. هذا المفهوم، الروبنسونية المعرفية، هو الذي طرحه إليانكوف في دراسته جدل المجرد والعياني في رأس المال.
الروبنسونية المعرفية، ما هي؟ ولماذا نقول الروبنسونية المعرفية؟
هذه إشارة إلى بطل الرواية التي كتبها دانييل ديفو سنة 1719. دانييل ديفو كتب رواية عن Robinson Crusoé.
وهذا روبنسون، هذا البطل، يجد نفسه وحيدًا على جزيرة مقطوعة عن العالم. فهذا روبنسون سيبدأ في محاولة إعادة بناء حياته من الصفر، من خلال أدواته الفردية الخاصة: العمل، والملاحظات، والتجربة المباشرة.
هنا، كما لو أن هذه هي التي ستكون نقطة الانطلاق.
طبعًا، ماركس استعمل هذا المفهوم، مفهوم الروبنسونية، في سياق نقد الاقتصاد السياسي، وإليانكوف استعمله في النقد، في اتجاه نقد نظرية المعرفة.
الآن، هذه الروبنسونية يوظفها إليانكوف لكي يصف بها هذا الوهم المؤسس للفلسفة الحديثة، وهو الوهم الذي يقول إن المعرفة تبدأ من فرد معزول يواجه العالم بحواسه وعقله الخاصين، سواء كانت هذه الحواس مصدر المعرفة، كما هو الحال عند لوك، أو كانت المقولات القبلية هي التي تنظم هذه الحواس، كما هو الحال عند كانط.
في جميع الحالات، نقطة الانطلاق هي الذات.
وكذلك عند هوسرل، إذا كان الوعي الخالص يؤسس المعرفة بعد تعليق العالم، نفس الشيء عند هوسرل، عنده واحد الشكل من أشكال الروبنسونية.
في كل هذه الحالات، في جميع هذه الحالات، الفرد المعرفي المعزول هو نقطة الانطلاق ومرجع التحقق.
عندنا واحد روبنسون، روبنسون فيلسوف، فيلسوف يعاود بناء المعرفة بأدواته الداخلية.
فأين يكمن الخطأ الجوهري؟
الخطأ الجوهري يكمن تحديدًا في أن روبنسون الحقيقي، روبنسون نفسه، لم يكن يومًا معزولًا.
اللغة التي يفكر بها الفرد، والأدوات التي يصنعها الفرد، والمفاهيم التي يطبقها الفرد، كلها نتاج تراكم الممارسة الاجتماعية التاريخية للإنسانية التي سبقته وكونته.
لهذا عند هيغل، وعند ماركس بعد ذلك، لا نعتبر الفرد نقطة انطلاق؛ لأن تلك الأدوات التي سيمارسها الفرد، وتلك الظروف التي سيعيش فيها الفرد، وتلك اللغة التي سيتحدث بها الفرد، هي نتاج تراكم تاريخي اجتماعي طويل.
إذن، الفرد ليس نقطة انطلاق، بل نتيجة؛ نتيجة مسار اجتماعي تاريخي طويل، كوّنه وجعله يفكر من داخله ويناقشه، إلى آخره.
في سياق ماركس، الروبنسونية سيستعملها في مجال الاقتصاد السياسي.
فعندما يبدأ، مثلًا، سميث وريكاردو تحليلهما الاقتصادي من الصياد، أو من الصياد الفرد المعزول، بوصفه نقطة انطلاق طبيعية أولى، هنا يبدأ ماركس في القول لهم، ويسمي هذه النزعة في الاقتصاد السياسي: الأوهام الساذجة للروبنسونيات في القرن الثامن عشر.
هذه الروبنسونية الاقتصادية تنطلق من افتراض فرد منتج معزول، وتضعه أصل الاقتصاد، عوض أن تنظر إليه بوصفه نتاج تاريخ طويل للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
وبالتالي، عندما يأتي سميث وريكاردو ويضعان هذا الفرد نقطة البداية الأولى الطبيعية، فهما لا يصفان الواقع الاقتصادي، بل يطبّعان، أي normalisent، شكلًا تاريخيًا محددًا ويقدمانه كقانون أبدي لكل إنتاج بشري.
هذا في السياق الأول الذي وظف فيه ماركس مفهوم الروبنسونية.
هناك سياق آخر، وهو فيما يخص وثنية السلعة، أو le fétichisme de la marchandise.
هنا يوظفه، ليس للنقد، وإنما من أجل إضاءة ما تخفيه الرأسمالية من تناقض.
مثلًا، عمل روبنسون، عندما كان في الجزيرة معزولًا، كان عمله شفافًا تمامًا. كان يعرف كم أنتج، وفي كم من الوقت، وبأي جهد.
وبالتالي، فإن علاقة عمل روبنسون بالنتيجة التي ينتجها هي علاقة مباشرة ومرئية.
في الرأسمالية، هذه الشفافية تختفي ما بين العمل ونتاج العمل، وبالتالي تختفي العلاقات الاجتماعية للإنتاج بين البشر، تتنكر في هيئة علاقات بين الأشياء والسلع والبضائع. هذا هو ما يسميه وثنية السلعة، وهذا هو الجوهر من وثنية السلعة: الطابع الاجتماعي التاريخي للعلاقات الإنسانية يخفي نفسه خلف موضوعية ظاهرية للسلع، وكأنها تحمل قيمتها بذاتها، بشكل منفصل عن العمل الاجتماعي المتجسد فيها.
إذن، في الموضعين معًا، سواء عندما نتحدث عن روبنسونيات القرن الثامن عشر التي تنطلق من الفرد المعزول في الاقتصاد السياسي، أو فيما يخص وثنية السلعة، يكشف ماركس عن الآلية الأيديولوجية نفسها: تحويل ما هو اجتماعي وتاريخي إلى ما هو طبيعي وأبدي.
الروبنسونية الاقتصادية عند سميث تجعل الفرد المنتج المعزول طبيعة إنسانية أولى، والفيتشية تجعل العلاقات الرأسمالية قوانين طبيعية للإنتاج. وكلاهما يخفي الحقيقة نفسها: أن الإنسان ينتج دائمًا في مجتمع معين وعبر تاريخ معين. لا يوجد فراغ اجتماعي، على غرار روبنسون في الجزيرة التي هو فيها . لا يوجد فراغ اجتماعي.
إذن، هذه المسألة المتعلقة بروبنسون أو بالروبنسونية، نجد أصلها في النقد الذي سيوجهه هيغل، وفي هذا النص، إلى هذه الروبنسونية في مجال المعرفة، أو في مجال نظرية المعرفة.
تبدأ الروبنسونية دائمًا من الإدراك الحسي للفرد بوصفه أول معطى ومرجعًا أخيرًا، سواء كان هذا الإدراك مصدر المعرفة أو مادتها الخام. مصدر المعرفة، مثلًا، عند لوك هو المادة الخام للمعرفة، أي الأحاسيس. وكذلك عند كانط.
إذن، عندما ننظر إلى الأمور من وجهة النظر هذه، يبدو لنا أن كانط ولوك ينتميان إلى الإطار نفسه أو إلى الاتجاه نفسه، بالرغم من الخلافات بينهما.
هيغل يقول إن هذا الموقف غير كافٍ في مجال الفكر.
ومرة أخرى، هيغل لا يقول إن هذا خطأ؛ بل يقول لنا إن هذا الموقف غير كافٍ في مجال الفكر.
عندما نكون في مجال الفكر، وهو مجال الفلسفة وتاريخها، فإننا لا نكون حيال الإدراك الحسي الفردي.
بالنسبة إلى هيغل، في مجال الفكر، نقطة الانطلاق هنا هي أفقر تحديدات الفكر، وليس الإدراك الحسي الفردي.
وهذه التحديدات هي الفكر، وليست ملكًا لفرد معين، وإنما هي نتاج مسار تاريخي طويل للعقل والممارسة الإنسانية.
لاحظوا معي هنا: منذ المحاضرة الأولى ونحن نوظف كلمة «التحديدات»، وهي دائمًا تتحدث عن détermination.
ومن بين المسائل التي ننتبه إليها عندما نقرأ هيغل، سواء باللغة العربية أو بالفرنسية، أننا نجد دائمًا مفهوم «التحديد». هيغل يتحدث عن détermination.
كان لديه منطقٌ يقوم على الإغلاق. فعندما أُعرِّف ظاهرةً ما أو شيئًا معينًا، فإنني بذلك أُغلقه وأُنجز عملية إغلاق؛ لأن وظيفة التعريف هي أن يضع حدًّا أو فاصلًا بين الشيء وما ليس هو.
التحديد عند هيغل هو مقابل التعريف، مفهوم التعريف، définition، في المنطق الصوري.
أعرّف الكتاب: الكتاب ليس هو الحاسوب أو المقلمة، إلى آخره.
الإنسان حيوان ناطق. هذا تعريف: ميزنا الإنسان عن الحيوان.
الدائرة مجموعة نقاط متساوية البعد عن المركز، إلى آخره.
من هنا، كان التعريف يثبت الشيء في هويته ويوقف الحركة. التعريف بطبيعته يغلق ويوقف الحركة.
وهذا هو الذي يقوم به l’entendement، الفهم، والذي يشكل موضوع النقد أو موضوع التجاوز عند هيغل.
هيغل، كلمة أو مفهوم التحديد عند هيغل، صُمم أساسًا من أجل تجاوز هذا الطرح للتعريف بوصفه إغلاقًا.
لماذا؟
الآن أنا أمام أشياء، مثلًا: الطاولة، الكتاب، الميكروفون، إلى آخره. هذه أشياء يمكنني أن أعرّفها، ويمكنني أن أضع بينها حدودًا.
ولكن الأشياء التي تتحرك لا يمكنني أن أعرّفها بشكل ثابت، ولا يمكنني أن أغلقها.
وبالتالي، هيغل، في عِوَض أن يتحدث عن التعريف، يتحدث لنا عن التحديد.
وهذه مقولة أساسية في la dialectique hégélienne.
هنا هذا التحديد سيخدم بمنطق الانفتاح، لأن كل تحديد هو لحظة في مسار؛ أي إنه يعيّن ويحدد الشيء، لكن دون أن يغلقه، لأن كل تحديد يعمل في داخله نفيه الذي يدفعه نحو تحديد آخر.
هنا لماذا يتحدث عن التحديد؟
لأنه لاحظ أن التعريف يفترض أن الشيء مكتمل. ولكن إذا كان الشيء لم يكتمل بعد، وما زال في مساره، فأنا لا أحتاج إلى نظرية في التعريف، بل أحتاج إلى نظرية في التحديد.
أحتاج إلى مفهوم آخر.
ولهذا يوظف مفهوم التحديد، وليس مفهوم التعريف.
لا نتحدث عن تعريف الفكر، بل نتحدث عن تحديد الفكر.
لماذا؟
لأن الفكر ما زال في مساره، ما زال في مساره؛ هو له تحديدات وليس تعريفات.
إذن، إذا قلنا إن هيغل، بهذا التمييز بين العياني الفكري والعياني الطبيعي، وانطلاقًا من هذا المثال، مثال الطفل، فإن الطفل أفقر من الإنسان في مجال الفكر، رغم أنه أكثر عيانية منه في مجال الإحساس.
قلنا إننا انطلاقًا من هذا النص الذي قرأناه، نعتبره من أهم النصوص في هذا الكتاب الهيغلي، Leçons sur la philosophie de l’histoire.
هنا يكون هيغل قد قوض الأساس الإبستمولوجي المعرفي للفرد.
الفرد الإنساني في بداية وجوده، أي الطفل، ليس نقطة الغنى المعرفي، بل نقطة الفقر.
المعرفة لا تتراكم في الفرد، بل تتراكم في الفكر الإنساني الجماعي عبر التاريخ. وهذا يعني أن الإنسان الناضج معرفيًا لا يتفوق لأنه أكثر تجربة كفرد، بل لأنه يستوعب في فكره تراكم التاريخ الإنساني بأكمله.
وهنا، وهذا هو جوهر النص الهيغلي، يتجلى ما يسميه هيغل بالملموس الفكري، ذلك الـ concret de l’esprit، أي عيانية الروح أو تجسدها المفهومي. وهذا الملموس ليس ملموس الفرد المعزول، ولا تجربته الشخصية، ولا خصوصية الحدث الذي يعيشه، بل هو ما يتشكل عبر التاريخ بوصفه حصيلة تطور الفكر الإنساني.
وإذا أردت أن تفهم الروح بمعنى لاهوتي، فذلك شأن آخر. أما عند هيغل، فالروح ليست كيانًا ميتافيزيقيًا غامضًا، بل هي البنية الفكرية والتاريخية المتراكمة التي تتجاوز الأفراد وتُكوِّنهم في آن واحد هذا هو الروح.
الفيلسوف الذي يمتلك أعمق فكر ملموس ليس من عاش أكثر أو اختبر أكثر، بل من استوعب بصورة أوسع وأعمق مسار تطور الفكر الإنساني الجماعي.
بهذا التصور، ينجز هيغل قطيعة حاسمة مع النزعة الفردانية في نظرية المعرفة، ويؤسس لفكرة مفادها أن الوعي ليس معطى فرديًا بسيطًا، بل هو نتاج تاريخ طويل من التراكمات الفكرية والاجتماعية.
وقد ميّز هيغل، في مواجهة هذه “الروبنسونية المعرفية”، بين مستويين أنطولوجيين مختلفين: مستوى يعيش فيه الفرد ضمن معطياته الحسية وحدسه المباشر، ومستوى آخر هو مستوى التاريخ الإنساني بوصفه حركة فكرية كلية. وهذان المستويان ليسا بالضرورة متطابقين.
وبهذا المعنى، أخرج هيغل الفلسفة من سجن الذات، ووضعها في أفق الروح التاريخية الموضوعية.
غير أن هيغل، كما سبق أن أشرت، قد قدّم هذا التصور داخل إطار مثالي.
فمجال الفكر، الذي يميّزه عن مجال الإدراك الحسي، ظل عنده روحًا بالمعنى المثالي، أي كيانًا يتجلى عبر الأفراد دون أن يحدد أساسه المادي بدقة.
كما أن ما يسميه بالملموس الفكري بقي تحديدًا منطقيًا أكثر منه تاريخيًا أو اجتماعيًا بالمعنى الكامل.
لكن ماركس، ولاحقًا إليانكوف، سيقومان بإعادة صياغة هذا الاكتشاف في إطار مادي واضح.
فمجال الفكر عند هيغل يمكن فهمه، في التحليل المادي، بوصفه مجال الممارسة الاجتماعية التاريخية.
ولهذا نجد في Thèses sur Feuerbach ربطًا مباشرًا بين المعرفة وpraxis، أي النشاط الإنساني المادي المتراكم عبر الأجيال، المتجسد في الأدوات والمؤسسات واللغة والثقافة.
وهذا هو معنى قلب ماركس للمثالية الهيغلية.
فالملموس الفكري يصبح تعبيرًا عن الأشكال الموضوعية للنشاط الإنساني المتجسدة خارج الفرد في العالم المادي، لا بوصفها بنيات داخلية ذاتية، بل بوصفها بنيات موضوعية أنتجها الإنسان عبر ممارسته المادية، ثم عادت لتشكيله من جديد.
أما الروح، فهي في هذا السياق المنظومة الاجتماعية والثقافية المتراكمة التي تسبق الفرد وتكوّنه قبل أي تفكير واعٍ.
وهكذا تنتقل نظرية المعرفة من دائرة الذات المغلقة إلى المجال التاريخي الاجتماعي الموضوعي، أو بلغة هيغل: l’esprit objectif.
وبذلك تتبلور ملامح نظرية جديدة للمعرفة.
فهيغل ينقل مركز ثقل المعرفة من الفرد المعزول إلى التاريخ الإنساني الجماعي، ومن المعطى الحسي الأولي إلى الملموس الفكري المنتج، ومن النزعة الفردانية إلى نظرية اجتماعية تاريخية للمعرفة.
وإذا عدنا إلى هذا النص الهيغلي الذي توسعت في شرحه، يتضح أنه نص أساسي لأنه يحدد بدقة الفرق بين المجرد والملموس عند هيغل.
فالملموس عنده هو وحدة الوجود في ذاته والوجود لذاته.
كما يوضح أيضًا معنى المنهج الذي ينطلق من المجرد ليصل إلى الملموس، ودلالته في تاريخ الفلسفة، وما يتيحه من إمكانات نقدية في علاقته بالظاهراتية، وبفلسفة لوك وكانط، وبما يمكن تسميته بالروبنسونية المعرفية.
وبهذا نكون قد أنهينا هذا الجزء المتعلق بمنهج تاريخ الفلسفة.
غير أن هناك مسألة أخرى سأكتفي هنا بتمهيدها، على أن أعود إليها بتفصيل أكبر في مقال مستقل سيُنشر لاحقًا في المدونة.
فعندما يقول هيغل إنه ينبغي البدء في تاريخ الفلسفة بأفقر تحديدات الفكر، أي من المجرد نحو الملموس، فإن هذا المبدأ يترتب عليه أيضًا نتيجة أساسية في فهم هذا التاريخ.
وهي أن:
Ce qu’il faut savoir pour ne pas leur demander des déterminations plus concrètes, c’est qu’une conscience plus concrète ne peut pas être exigée d’un stade de pensée qui ne l’a pas encore produite.
بمعنى أنه لا يمكن مطالبة مرحلة فكرية معينة بتحديدات أكثر تطورًا مما أنتجته تاريخيًا. فلا يصح أن نعود إلى طاليس مثلًا لنبحث في نصوصه عن تصورات لم تتبلور إلا في مراحل فلسفية لاحقة.
كما لا يمكن، من هذا المنظور، إسقاط مفاهيم متقدمة مثل المادية التاريخية على أنساق فكرية لم تنتج شروطها المفهومية بعد.
.
مثل ذلك الذي يريد أن يبحث عن المادية التاريخية، في فلسفة الهنود أو فلسفة الشرق القديم، إلى آخره، أي مثلًا، بين قوسين، يعني أنك قد تُسقط على الفكر القديم، الذي لم يكن يمتلك إلا مطالب أو تحديدات أكثر بدائية، تحديدات لم يصل إليها الفكر إلا بعد مسار طويل.
هذه نتيجة أخرى، وهذا خطأ منهجي.
ما الخطأ المنهجي؟ هو إسقاط تحديدات لاحقة، غنية وملموسة، على تحديدات سابقة فقيرة.
ليس من المنهجي، مثلًا، أن ندرس فلسفات الحضارات الشرقية القديمة، ونحاول أن نبحث فيها عن la dialectique، كما يفعل بعض من يدّعون أنهم ماركسيون، ويقومون بهذا الأمر. لكن هذه مسألة بين قوسين، ولا داعي لأن نتوسع فيها.
فكروا في الفكرة التالية، مثلًا:
يتساءل المؤرخ في مجال الفكر والفلسفة: هل كان طاليس، لنأخذ مثال طاليس، مؤمنًا بإله شخصي أم بإله غير شخصي؟ Dieu personnel ou impersonnel؟
هذا تساؤل يمكن أن يطرحه مؤرخ الفلسفة أو الباحث في فلسفة طاليس.
لكن عندما يطرح هذا المؤرخ أو هذا الباحث هذا النوع من الأسئلة على فلسفة طاليس، فإنه يسقط على طاليس تحديدات بلغ إليها الفكر بعده بقرون.
فالتحديد الشخصي، مثلًا، لم يكن حاضرًا في السياق الفلسفي لطاليس، كما أن تحديدات الذاتية، إلى آخره، لم تكن حاضرة في سياق طاليس وفي سياق الفلسفة القديمة عمومًا.
إنها تحديدات بلغ إليها الفكر لاحقًا، وهي تحديدات بالغة في الدقة والثراء والكثافة، ولم يكن الفكر في بداياته قد وصل إليها بعد.
هذه نتيجة منهجية حاسمة.
فعندما نفهم قلب المنهج الهيغلي، وعندما نفهم كذلك قلب المنهج عند ماركس، وهو منهج الصعود من المجرد إلى العياني، فإن هذا هو القلب، وهذا هو العمود الفقري لهذا المنهج.
إن هذا المنهج يفرض عليك، أساسًا، ومن بين شروطه، ألا تُسقط تحديدات لاحقة، أكثر غنى وملموسية، على أفكار أو على سياقات فلسفية قديمة لم تكن قد طرحت هذه القضايا، أو لم تكن قد طرحتها في سياقها التاريخي الخاص.
وهنا أريد أن أذكّر بمقدمة لبليز باسكال، Blaise Pascal.
في هذه المقدمة، كتب باسكال كلامًا قريبًا من هذا السياق الذي نتحدث فيه مع هيغل. سأبقى مع نص باسكال، وسأشير إلى باسكال، وماذا يقول باسكال في هذا النص:
«حين أكد القدماء أن الطبيعة لا تتحمل الفراغ، فقد قصدوا أنها لا تتحمله في جميع التجارب التي رأوها، ولم يكن في مقدورهم، دون تهور، أن يشملوا فيها ما لم يكن في متناول معرفتهم. ولو كانت تلك التجارب في متناولهم، لاستخلصوا، بلا شك، نفس النتائج التي استخلصناها نحن. وعلى هذا النحو يمكننا، دون أن نناقضهم، أن نؤكد عكس ما كانوا يقولون.»
ثم يقول:
«فما كانت قوة القدماء، فإن الحقيقة يجب أن تكون دائمًا موضع الأفضلية، وإن اكتُشفت حديثًا، لأنها أقدم دائمًا من جميع الآراء التي كانت لنا عنها.»
هنا، سواء في سياق باسكال أو هيغل، كلاهما يرفض هذه الفكرة التي تقوم على تحقير القدماء.
وتحقير القدماء هنا له وجه آخر، وهو التعامل مع القدماء باعتبارهم مجموعة من الأفكار التي لا تستحق إلا أن تُحاكم من منظور ما وصل إليه الفكر لاحقًا.
لكن في الوقت نفسه، نرى أن باسكال وهيغل يرفضان تقديس القدماء بوصفهم سلطة غير قابلة للنقد.
وكلاهما كذلك يثبت أن التجاوز لا يعني التناقض.
يمكننا أن نقول عكس ما قاله القدماء دون أن نناقضهم.
لكن هناك شيئًا ينبغي أن ننتبه إليه عند باسكال.
باسكال هنا، في هذا النص، يفكر في إطار تراكم المعارف التجريبية.
القدماء لم يروا تجارب الفراغ، ولم تكن لديهم إمكانية رؤية تجارب الفراغ. وعندما جاءت تجارب توريتشيلي، Torricelli، وأصبحت هذه التجارب ممكنة، استخلصوا النتائج الجديدة فيما يخص الفراغ.
لكن في سياق باسكال، بأي ضرورة انتقلنا من القدماء إلى المحدثين؟ ما الضرورة الداخلية التي جعلتنا ننتقل من فكر القدماء إلى فكر المحدثين؟
الشروط التجريبية تبدلت.
إذن، هؤلاء عندهم الحق في ظل ظروفهم، وأولئك عندهم الحق في ظل ظروفهم، إلى آخره.
لكن هذا يمكن أن يؤدي إلى النسبية.
فمتى يمكن أن يؤدي إلى النسبية التاريخية؟ ومتى يمكن ألا يؤدي إلى نسبية التاريخ؟
يمكن أن يؤدي إلى النسبية عندما لا تكون لدينا آلية ديناميكية تفسر لنا كيف انتقلنا من القديم إلى الجديد.
فإذا كان القدماء قالوا ما استطاعوا قوله، ومن جاء بعدهم قال ما استطاع قوله، فما الذي يجعل اللاحق أرقى من السابق؟
باسكال لا يقدم لنا جوابًا واضحًا عن هذا السؤال.
أما عند هيغل، فنجد إجابة مختلفة.
عند باسكال، معيار التقدم كذلك خارجي: لدينا تجارب جديدة، مثل تجارب الفراغ والضغط الجوي، أثبتت خطأ الموقف القديم.
وهذا يعني أن التقدم مشروط بوجود conditions empiriques، أي شروط تجريبية جديدة، تجعل حدوث تغير في المعرفة ممكنًا.
لدينا التلسكوب، ولدينا أنبوب توريتشيلي، tube de Torricelli، وهذه هي الشروط التي تجعلنا نتجاوز، مثلًا، تحديدات القدماء.
لكننا لا نجد هنا ضرورة داخلية في الفكر نفسه.
أما عند هيغل، فمن خلال هذا المنهج، يمكننا أن نقول، في الخلاصة، إن منهج الصعود من المجرد إلى العياني، بالرغم من تغليف هيغل لهذا المنهج ضمن رؤية مثالية، أو ضمن فلسفة مثالية، يبقى في النص الهيغلي، وفي سياق فلسفة هيغل، بمثابة renversement مهم جدًا، وبمثابة ثورة في تاريخ الفكر فيما يخص مسألتين اثنتين:
الأولى هي تجاوز الروبنسونية المعرفية في نظرية المعرفة، والثانية هي تجاوز النسبية في التاريخ.
وبهذا نكون قد أنهينا هذه الحلقة، وأتمنى أن تكون قد نالت استحسان المتابعين والمتابعات.
وعلى أمل اللقاء قريبًا، تقبلوا مني أسمى عبارات التقدير والاحترام.
.

