الإمبريالية تعني بالأساس ضمان خضوع الاقتصاد السياسي للمنطقة المستمر لأشكال التراكم في الدول الرأسمالية التي تحتل مركز السوق العالمية
يدل اعتماد الصين على نفط الشرق الأوسط على تنافس متزايد مع الولايات المتحدة، ليس فقط على واردات النفط، إنما أيضا لأن هيمنة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تمدها بمصدر تفوق مهم على الصين، وهي الحقيقة التي تظهر بوضوح في الخلافات على إيران .أي منازعة طويلة الأجل للنظام العالمي أمريكي المركز يفترض أنها مقترنة بتحول في خريطة النفوذ الخارجي على الشرق الأوسط وهي المنازعة التي – كما يظهر من تاريخ العقود الخمسة الأخيرة – تكون بالضرورة مقترنة بجملة من المبادرات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تسعى لسحب المنطقة بعيدا عن الهيمنة الأمريكية. لكن بينما يمثل ضلوع الصين وروسيا المتزايد في المنطقة – وبلا شك – تحد للولايات المتحدة والهيمنة الغربية، فلابد من تحري بعض الحرص في تفسير طبيعة هذه المنافسات بسبب طبيعة السوق العالمية الدولية للغاية، فإن كل الدول الكبرى – ومنها الصين وروسيا – مرتبطة ارتباطا وثيقا في تدفقات تجارية ورأسمالية متبادلة، وبينها مصالح مشتركة في استقرار رأس المال العالمي. هذا يعني أنها لا تريد حدوث تحولات كيفية كبيرة في أنساق التنمية غير المتوازنة في الشرق الأوسط، أو في اعتناق المنطقة للإصلاحات النيوليبرالية. الحق أن دخول الصين وروسيا إلى أسواق الشرق الأوسط – كما هو الحال بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة – جاء على أعناق تكثيف النيوليبرالية في أماكن مثل إيران وسوريا. لهذه الأسباب، فمن الخطأ الاعتقاد بأن هذه الدول تمثل أي شكل من أشكال قوى التحرر التقدمية يناقش الفصل السابع هذا الموضوع بقدر أكبر من التفصيل).
…………………………………………………………….
تطورت وتنامت الهيمنة المطولة لدول الغرب على الشرق الأوسط عن طريق جملة من الوسائل المختلفة، لكن كانت التيمات الكامنة ورائها متسقة تعميق التنمية غير المتوازنة والمشتركة للمنطقة، وتوسيع مساحة الهيراركيات بالدول ومظاهر الاعتماد المتبادل بينها، والانتفاع من الفروق الناتجة في القوة لترسيخ السيطرة، تحولت أشكال وأنساق هذه الترتيبات على مدار العقود الخمس الأخيرة، لكن كانت نتيجتها واحدة. لم تؤد هذه الاستراتيجية فحسب إلى إعادة ترتيب العلاقات المحددة بين مختلف أجزاء المنطقة والقوى الرأسمالية الكبرى، إنما أيضا – وبشكل أقوى فيما يخص التحليل الذي يعتمده الكتاب – خلقت مجموعة محددة من العلاقات الداخلية بالمنطقة نفسها. هناك ست خصائص مركزية في عملية إعادة الترتيب هذه يمكن رسمها هنا بشكل أولي، مع تطويرها في الفصول اللاحقة:
1 -قرب الاتحاد الأوروبي إليه دول أساسية من المنطقة الأورومتوسطية، أبرزها دول شمال أفريقيا. لقد ارتبطت بقوة الأنشطة الإنتاجية والتجارية لهذه الدول بمنطقة اليورو الاقتصادية مع مضي الإصلاحات النيوليبرالية قدماً. كان هذا يعني إعادة توجيه اقتصادات شمال أفريقيا نحو احتياجات رأس المال الأوروبي، مع ربط منطقة البحر المتوسط كمنطقة تابعة ومعتمدة على جارتها الأكبر، عن طريق التجارة وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
- دمج القطاعات الإنتاجية بمنطقة المتوسط برأس المال الأوروبي أدى إلى تعميق الفروق الاجتماعية داخل الدول وبين المنطقة ككل وأوروبا. أي أن العلاقة بالاتحاد الأوروبي ساعدت على تشكيل مسار التكوين الطبقي ( مرة أخرى، نلاحظ هذا بأوضح أشكاله في شمال أفريقيا) مقترنا بإثراء شريحة ضئيلة من نخب المنطقة ( والاقتراب من المشروع الأوروبي. كما ستؤكد تفصيلا الفصول اللاحقة، فهذا التواشج بين التجارة والاستثمار في حوض المتوسط لعب دوراً هاماً في تعزيز تركيز ومركزة رأس المال في عهدة تكتلات رأسمالية محلية وأجنبية كبيرة، في قطاعات مثل النسيج والملابس والزراعة .
- في الوقت نفسه، رتبت الولايات المتحدة علاقات متميزة بعمودين مركزيين لقوتها في المنطقة: إسرائيل ومجلس التعاون الخليجي (السعودية تحديدا). هذان العمودان يتميزان عن دول المنطقة الأخرى بأنهما يشكلان قمة الهيراركيات داخل المنطقة. علاقات الدولتين بالمركز الإمبريالي تختلف عن باقي المنطقة من حيث أنهما قادرتان على الاحتفاظ بنصيب أكبر من القيمة المنتجة في المنطقة (إسرائيل عن طريق صادراتها الصناعية المتقدمة ومجلس التعاون الخليجي عن طريق سيطرته على الإمدادات النفطية). تعزز الولايات المتحدة هذه الهيراركيات الإقليمية عن طريق المساعدات العسكرية والمالية والدعم السياسي للقطبين المذكورين، في حين أنها مشاركة بعمق في اقتصادات الدولتين عن طريق تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وعلاقات مالية أخرى.
.4. حاولت الولايات المتحدة أيضا استخدام هذين القطبين كمحور الجذب باقي المنطقة إلى مدار هيمنتها. لعبت كل من الأردن ومصر دورا محددا بالغ الأهمية في هذه العملية عن طريق مناطق الكويز والاتفاقات الأخرى مع إسرائيل. كما لعب الاتحاد الأوروبي على هذه النقطة عن طريق إطار عمل المفاوضات الأورومتوسطية. هذا يعني أن مسألة التطبيع مع إسرائيل كانت لها أهمية مركزية خاصة في إطار مقاومة النفوذ الإمبريالي في المنطقة، وكذلك الحركة الفلسطينية الأعرض ضد أعمال الاستلاب القائمة. يساعد هذا أيضا في توضيح فرادة التكوين الطبقي في الأراضي الفلسطينية (انظر الفصل الخامس).
- تعميق الإصلاحات النيوليبرالية – التي كانت النتيجة الضرورية لإعادة هيكلة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمنطقة – أسهم أيضا في تعميق العلاقات الهيراركية داخل المنطقة ككل. يجدر بالذكر هنا أن هذا اشتمل على تعزيز موقف دول الخليج العربي داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تم التعبير عن هذا بوضوح وجلاء فى تدويل رأس المال الخليجي وارتباط الكيانات التجارية الخليجية الكبرى بالطبقات الرأسمالية المحلية فى المنطقة (انظر الفصل السادس).
- عمليات إعادة الترتيب هذه تحتاج أيضا إلى وضعها في سياق التحديات المحتملة للهيمنة الأمريكية / الأوروبية على المستوى العالمي، في حين يستمر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في الهيمنة على الاقتصاد السياسي للمنطقة، فالقوى الصاعدة – الصين وروسيا بالأساس – راحت تبني بصفة منفصلة، وفي علاقات تنافس، تحالفات مع دول بالمنطقة. انعكس هذا في إعادة التوجيه الجزئي للتجارة والتدفقات المالية عبر المنطقة، لكن أقوى مظاهره كان تحالف روسيا والصين مع الدول التي ظلت إلى حد بعيد خارج مدار الهيمنة الغربية طيلة عقد الألفية أبرزها( إيران وسوريا).
هذه السمات الست للمستوى الإقليمي تؤكد التشابك العميق للإمبريالية بالاقتصاد السياسي للنيوليبرالية في الشرق الأوسط. ليست الإمبريالية بالأساس مشروعاً عسكريا، رغم أهمية القوة في طريقة عمل الإمبريالية، فتصورها بهذه الصفة فحسب يعني عدم فهم جوهر التدخل الغربي والاكتفاء بمظهره الخارجي. إنما الإمبريالية تعني بالأساس ضمان خضوع الاقتصاد السياسي للمنطقة المستمر لأشكال التراكم في الدول الرأسمالية التي تحتل مركز السوق العالمية؛ مع رؤية الإمبريالية بهذه الصفة تصبح أكثر بكثير من مجرد قائمة اختيارية مدونة بها السياسات الاقتصادية للسوق الحرة». إنها عملية إعادة هيكلة راديكالية للعلاقات الطبقية، بما ييسر ويعزز من هيمنة قوى خارجية على المنطقة. يرتبط هذا بتخليق مجموعة من القوى الاجتماعية الداخلية على المنطقة، يكون لها هذه القوى الاجتماعية – مصلحة موضوعية في دعم الحالة القائمة الجديدة. لم تقتصر إعادة الهيكلة هذه فقط على تحول حالة الطبقة والدولة داخل الدول المختلفة، إنما أنتجت أيضاً مجموعة جديدة من الهيراركيات والعلاقات الاجتماعية المتواشجة عبر فضاء المنطقة بالكامل. هذه الملاحظات تشكل العدسة التحليلية الأساسية التي ننظر من خلالها إلى مختلف جوانب الاقتصاد السياسي للمنطقة، في الفصول التالية.
ادم هنية
جذور الغضب
حاضر الرأسمالية في الشرق الأوسط


