اللامساواة والرأسمالية والحرب والتتغير المناخي
الحالة الراهنة للعالم اليوم لا يمكن الدفاع عنها أخلاقياً. لا يمكن الدفاع أخلاقياً عن أن 358 مليارديراً يمتلكون ثروة تعادل ما يملكه الـ50% الأفقر من سكان العالم، أو عن الإنفاق العالمي البالغ تريليونا و766 مليار دولار سنوياً على الأسلحة، بينما يعيش أكثر من مليار إنسان على أقل من دولار واحد يومياً، أو عن الفقر الفادح واللامساواة الفادحة حتى في البلدان الأغنى في العالم مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وأيرلندا. لا يمكن الدفاع أخلاقياً عن أن اللاجئين الفارين من ظروف الحياة غير الإنسانية، لا سيما الحروب، التي أشعلتها في الغالب القوى الغربية، يُعاملون على أنهم متسللون طفيليون من قبل نفس هذه القوى الغربية. لا يمكن الدفاع أخلاقياً عن قتل السود في الولايات المتحدة بصورة منتظمة ومنهجية على يد الشرطة، بهذا القدر أو ذاك من الحصانة، بعد 150 عاماً من إلغاء العبودية و50 عاماً من اغتيال مالكولم إكس. يمكن تمديد هذه القائمة من الظواهر التي لا يمكن الدفاع عنها في العالم الذي نعيش فيه اليوم إلا ما لا نهاية.
للأسف، ليس ثمة شيء جديد في أي من ذلك. صار النظام العالمي يتعذر الدفاع عنه أخلاقياً منذ أن تطورت الشروط المادية السابقة لمجتمع أفضل كثيراً قبل نحو 150 سنة مضت، كان من المستحيل الدفاع أخلاقياً عن ذبح 30 ألفاً من الكومونيين في شوارع باريس في العام 1871، مثلما كان من المستحيل الدفاع أخلاقياً عن “مجازر أواخر العصر الفيكتوري” التي دفعت عشرات الملايين من الناس في الهند والصين وغيرهما إلى الموت جوعاً(5).
الحرب العالمية الأولى هي الأخرى لا يمكن الدفاع عنها أخلاقياً، وهكذا مرة أخرى قائمة لا نهائية.
لكن ما يهم الوضع الراهن ليس فقط آثامه الأخلاقية، بل إن النظام العالمي يصبح بصورة متزايدة أكثر تزعزعاً وأقل استدامة. وهذا التزعزع إنما يتجسد في:
(أ) اللامساواة المتنامية.
(ب) الترجيح المتزايد لوقوع أزمات اقتصادية.
(ج) تصاعد النزاعات الجيوسياسية التي تشعل الحروب.
أما انعدام الاستدامة، فتشمل على كل تلك الأمور معاً، إضافة إلى التغير المناخي، باعتباره المكوّن الرئيسي لأزمة بيئية أوسع.
تتزايد اللامساواة الاقتصادية على الصعيدين الوطني والعالمي، وهي آخذة في التنامي على مدار عقود طويلة بصورة واضحة يدركها الناس على نطاق واسع. وقد ثبت تجريبياً بما لا يدع مجالاً للشك في الدراسة الشهيرة “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” للاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، وفي دراسات الكثير غيره من الباحثين أيضاً. والأمر المثير للدهشة بشكل خاص هو الفجوة المتنامية بين طبقة فاحشي الثراء، و ال 1%0بقيتاً من سكان العالم. ندرك أيضاً، من خلال الدراسة الدقيقة لريتشارد ويلكنسون وكيت بيكيت، “مستوى الروح”، أن اللامساواة تضر أيضاً بالمجتمع ككل بصورة خطرة، إذ تتسبب في تفشي المرض والعنف والجريمة وإدمان المخدرات، وغير ذلك من الاعتلالات الاجتماعية. علاوة على ذلك، تُعد اللامساواة المتنامية دافعاً رئيسياً للاحتجاج والانتفاض. وهذا ما لاحظه عالم الجغرافيا الاجتماعي الإنجليزي داني دورلينج حين كتب:
“في المملكة المتحدة، يدرك عموم الناس أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء غير مبررة أكثر من أي وقت مضى، بل ويزداد يقينهم من ذلك عاماً بعد عام. في العام 2010، قال 75% من المشاركين في الاستطلاع السنوي للمواقف البريطانية إن فجوة الدخل كانت كبيرة جداً. أما في العام 2012، فقد زادت النسبة إلى 82%.
تحولت أغلب الاحتجاجات العالمية التي اندلعت منذ العام 2006 حول قضايا العدالة الاقتصادية. في العام 2006، سجل 59 احتجاجاً كبيراً حول العالم، في حين كان هناك 112 احتجاجاً مشابهاً في الحجم في النصف الأول من 2013 فحسب”(6).
تفاقم معدل اللامساواة بفعل الركود الكبير في 2008-2009، حيث سعت الحكومات والطبقات الحاكمة إلى إرغام الناس العاديين على تحمل ثمن الأزمة. دائماً ما تتأرجح الرأسمالية بين الرخاء والركود، لكن ركود 2008 كان الأخطر من نوعه منذ كساد الثلاثينيات، والتعافي منه كان ضعيفاً جداً وبطيئاً جداً. في أوروبا ككل، لم يكن هناك أي تعافٍ على الإطلاق. علاوة على ذلك، هناك احتمالية خطرة لانهيار اقتصادي آخر وشيك، بينما يتباطأ النمو الاقتصادي في الصين – أنجح الاقتصادات الكبرى في الآونة الأخيرة – مع احتمالية تلوح في الأفق بأنه هو الآخر قد يتعثر.
تؤدي الأزمات الاقتصادية الكبرى إلى عواقب اجتماعية وسياسية كبرى أيضاً. فهي، بادئ ذي بدء، تفاقم بصورة هائلة من البطالة، بكل ما يتبعها مباشرة من بؤس(7)، وهذا بدوره يولد قدراً هائلاً من المآسي الأخرى، مثل التشرد أو حرمان الأطفال من احتياجاتهم الأساسية. لكن الركود والأزمات الاقتصادية لا يحفزون عادة، وحدهم، إلى تمرد فوري. على سبيل المثال، لم يقابل انهيار بورصة وول ستريت عام 1929، وما تبعه من كساد اقتصادي، بمقاومة أو تمرد واسع النطاق، لا في الولايات المتحدة ولا في بريطانيا. والأمر نفسه ينطبق على أزمة 2008-2009 على المستوى الدولي. لكن بينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية، يولد الركود الممتد مرارة وسخطاً لدى الجماهير، ما ينتج منه تجذير لهذه الجماهير عبر فترة من الوقت، بافتراض وجود قوى سياسية تعبر عن هذه المرارة وتنفذ هذا السخط. لكن هذه الأزمات تطرح أيضاً احتمالية بأن يسخر اليمين المتطرف مرارتها بتحويلها ضد أكباش فداء (اليهود أو المهاجرين أو المسلمين كأمثلة على ذلك).
شهد الكساد الكبير في الثلاثينيات كلا الاحتمالين، ورغم النضالات الجبارة، مثل موجة الإضرابات وتأسيس النقابات في الولايات المتحدة 1934-1935، والإضراب العام في فرنسا، والثورة الإسبانية 1936، فقد خرج اليمين المتطرف في الغالب ظافراً. ولقد شهدت الفترة منذ 2008-2009، ولا تزال تشهد، كلتا العمليتين، حيث تجذير الجماهير في اليونان وإسبانيا والبرتغال وأيرلندا وإسكتلندا وغيرهم، من جانب، ومن جانب آخر انتعاش الفاشية وحركات اليمين المتطرف، مثل حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب يوبيك في المجر، وحزب الفجر الذهبي في اليونان، وحزب الاستقلال في بريطانيا، إلخ. وفي الولايات المتحدة، شهدنا على حد سواء ظاهرة بيرني ساندرز، والفوز الانتخابي لدونالد ترامب، الذي سرعان ما قوبل بمقاومة واحتجاجات جماهيرية. باختصار، الأزمات الحادة تولد استقطاباً سياسياً.
إذا شهد الاقتصاد العالمي ركوداً آخر واسع النطاق في الأعوام المقبلة قبل أن يتعافى بشكل حقيقي، فسوف تكون العواقب الاقتصادية والسياسية هائلة. وعلى وجه الخصوص، سيكون ذلك بمثابة انكشاف مذهل لفشل وإفلاس الرأسمالية النيوليبرالية، وستكون له استتباعات أيديولوجية جبارة. يتمثل أحد الملامح السياسية الرئيسية للأعوام الثلاثين الماضية، وبخاصة الثلث الأخير منها، في التآكل المتواصل للدعم الموجه إلى ما يُطلق عليها أحزاب الوسط “السائدة” في معظم أوروبا. وركود آخر من شأنه أن يسرع من هذه العملية ويحفز كل أصناف الأزمات والاضطرابات السياسية، بما يشمل تكثيف أشكال متنوعة من القومية والانفصالية(8).
سيكثف الركود الاقتصادي أيضاً من ذلك التيار الراسخ بالفعل في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، والمتمثل في تفشي التوترات والنزاعات الدولية التي تفتح الباب أمام الحروب أو تؤججها بالفعل. حين انهارت “الشيوعية” في 1989-1991، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش الأب، إرساء “النظام العالمي الجديد”، حيث السلام والاستقرار في ظل هيمنة الولايات المتحدة، وجاء فوكوياما كما هو معروف بـ”نهاية التاريخ”، التي كان يعني بها انقضاء أي تحدٍ جاد للديمقراطية الرأسمالية “الليبرالية” الغربية. لم يتحقق أي من ذلك بالطبع. شهد الربع الأخير من القرن تتابعاً للصراعات والحروب، التي تركزت بشكل خاص في الشرق الأوسط، لكنها بالتأكيد لم تنحصر في هذه المنطقة (هناك حرب البلقان في التسعينيات، والحرب الأفغانية في 2001، والحرب في أوكرانيا، والحروب المتعددة في إفريقيا، إلخ).
لكن ما يكمن وراء هذه التطورات هو النقيض التام مما حلم به الخبراء الاستراتيجيون الأمريكيون من قوة أمريكية مطلقة لا تقبل تنازعاً؛ ألا وهو التدهور النسبي المتواصل في الهيمنة الاقتصادية والعسكرية للقوة العظمى رقم واحد في العالم. بيد انه لا ينبغي فهم ذلك بشكل خاطئ فهناك الشديد على كلمة “نسبي” إذا تدل الولايات المتحدة الاقتصاد الأقوى في العالم، وكذلك القوة العسكرية الرائدة على الصعيد الدولي بصورة طاغية(9).
لكن قدرتها على فرض إرادتها على بقية العالم صارت أقل كثيراً مما كانت عليه من قبل. وتمتد جذور ذلك إلى أن إسهام الولايات المتحدة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي توقف عند 19.31% في العام 2013(10)، مقارنة بـ27.3% في 1950، و22.1% في 1973(11). والتعبير العسكري الصارخ لذلك إنما يتجسد في الفشل الأمريكي الواضح في تحقيق أهداف حربي العراق وأفغانستان، وانسحاب القوات من هذين البلدين لاحقاً. وهذا لا يفتح أي باب على الإطلاق أمام عالم أقل خطورة أو أكثر سلاماً، بل على العكس، يخلق هذا وضعاً تسعى فيه الولايات المتحدة، العاجزة عن ترسيخ أقدامها، إلى الحفاظ على هيمنتها عبر علاقات مع قوى إقليمية عدة (مثل المملكة السعودية وتركيا وإيران وإسرائيل). وهذه القوى الإقليمية تحاول التوصل إلى أوضاع مُحبذة بالنسبة إليها بينما تقع على الفور في مواجهة بعضها. وتبرز النتائج في أهوال مثل الحرب في سوريا، وصعود داعش، والكارثة الفادحة في ليبيا، والقصف السعودي لليمن.
في الوقت نفسه، نشهد شبح الحرب الباردة، التي من المفترض أنها وضعت أوزارها منذ زمن بعيد، يجثم من جديد على أوكرانيا بالأخص. والأخطر من ذلك على المدى الطويل، هو التصاعد الواضح في التوترات بين الولايات المتحدة والصين في بحر الصين الجنوبي. تلك التوترات التي ليست في الحقيقة إلا أحد أعراض النزاع بين أكبر اقتصادين في العالم، ومن حيث السياسات الحقيقية، وليس الخطاب الإعلامي (الذي يركز بصورة طاغية في تهديد المسلمين “المتطرفين”). حددت الولايات المتحدة بالفعل في ظل باراك أوباما “وجهتها الآسيوية”، لتجعل الصين في القلب من اهتماماتها الاستراتيجية طويلة المدى(12). وبينما ينخفض نصيب الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فإن نصيب الصين في الجهة المقابلة يتصاعد (من 4.5% عام 1950 إلى 15.4% في 2014)(13)، وحلت الصين محل ألمانيا، ثم اليابان، في الهيكل التراتبي للاقتصاد العالمي، لتغدو على مقربة من الولايات المتحدة بصورة مذهلة. أما ما يعنيه ذلك على الصعيد العسكري، فهو موضح في تقرير وزارة الدفاع البريطانية لعام 2014، الذي يقارن توقعات إنفاق القوى العظمى على الدفاع مع حلول العام 2045، كما يلي(14):
1- الولايات المتحدة: تريليون و335 مليار دولار.
2- الصين: تريليون و270 مليار دولار.
3- الهند: 654 مليار دولار.
من الواضح أن مثل هذا التوقع بعد ثلاثين عاماً لهو ضرب من التخمين، لكنه تخمين سيقض مضاجع الخبراء الاستراتيجيين في البنتاجون. الأمر الوحيد المؤكد هو أن الخوف من مثل هذا التكافؤ المتوقع سيكون بمثابة القوة المحركة لسياسات الطبقة الحاكمة الأمريكية لعقود مقبلة. وبالتالي، فإن حقبة السلام والاستقرار ليست على جدول الأعمال.
أما ما يؤثر، بل ويتجاوز كل شيء آخر، فهو الأزمة البيئية. هذه الأزمة سارية بالفعل ويلوح في الأفق أنها ستزداد سوءاً بصورة مؤكدة. تتعدد أوجه هذه الأزمة – من الانقراض واسع النطاق للأنواع الحية (على مستوى لم يشهد منذ الانقراض الطباشيري-الباليوجيني، الذي انقرضت فيه الديناصورات، جنباً إلى جنب مع ثلاثة أرباع أنواع النباتات والحيوانات على الأرض منذ 66 مليون سنة)(15)، إلى تلوث الأنهار والمدن (مثلما في الصين، أو كما في مجتمعات محلية لا حصر لها، مثل باليفيرموت وباليوجان في أيرلندا)(16)، إلى ما يُعرف بالتصدع المائي – هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن أبرز ما في الأزمة البيئية هو التغير المناخي، الذي يمثل في حد ذاته مشكلة كارثية، لسبب بسيط هو أنه يهدد مستقبل البشرية برمته.
تحتاج هذه النقطة الأخيرة إلى بعض التوضيح. ليست المشكلة هي أن المليارات السبعة من البشر على وجه الأرض سوف يمحوهم التغير المناخي من الوجود فجأة في وقت ما غير محدد في المستقبل. بل إن الاحتباس الحراري والطقس القاسي الذي يجلبه معه (موجات الحرارة العالية، والجفاف، والحرائق، والعواصف، والفيضانات، إلخ)، سيجعل حياتنا، من حيث نعيش الآن، وعاماً بعد عام وعقداً بعد عقد، أصعب وأصعب، وفي أجزاء من العالم سيجعل هذه الحياة مستحيلة لملايين وملايين من ناس ولنكن واضحين في هذا الأمر، إن بعضًا من ذلك سيغدو واقعًا أيًّا كان ما سيحدث، وذلك بسبب الاحتباس الحراري الذي تولَّد بالفعل في النظام البيئي. حتى لو تخلَّت جميع الدول عن الوقود الأحفوري وأخذت انبعاثات الكربون في الانخفاض حتى تتلاشى تمامًا، فستظلُّ هناك مشكلاتٌ هائلة لا بد من التعامل معها، بينما ليست ثمة إشارةٌ ولو بسيطة للتعامل مع هذه المشكلات الآن.
باختصار، نحن نعيش في مجتمع عالمي منقاد نحو كارثة. إنه عالمٌ تتجاوز فيه القدرة الإنتاجية والثروة المُنتَجة بالفعل أيَّ شيء سابق في التاريخ البشري بمراحل فائقة. يستخدم الاقتصادي البريطاني أنجس ماديسون، الخبير الأبرز في هذا الموضوع، مقياس الدولار لمقارنة النتاج المحلي الإجمالي العالمي عبر القرون. وعلى هذا الأساس يقدِّر أن النتاج المحلي الإجمالي العالمي في العام 1000 بَلَغَ حوالي 117 مليار دولار دولي، بينما وَصَلَ في العام 1500 إلى 248 مليار دولار دولي، وفي العام 1870 كان 1.1 تريليون دولار دولي، وبحلول العام 2001 صار 37 تريليون دولار دولي(17) ). غير أننا نتَّجه بوضوح، على أصعدة متعدِّدة، نحو كارثة ذات نطاق هائل.
بينما أكتب هذه السطور، أدرك أنني أجازف بأن أبدو مثل ذلك الرجل الذي يقف على قارعة الطريق شاهرا لائحة “نهاية العالم وشيكة”. لكنني أكتب ذلك لأن الدليل، الذي لم ألفت إلا إلى جزء يسير منه، يفرض نفسه بما يكفي، إضافة إلى أنه معروف على نطاق واسع. لذا سأقول إن المنذرين بالهلاك ليسوا دائماً مخطئين. في السنوات السابقة على العام 1914، حذرت الحركة الاشتراكية الأممية، التي كانت تحالفاً يضم ملايين العمال عبر أوروبا، من الكارثة المحدقة للحرب العالمية الإمبريالية، وكانوا محقين في ذلك. وحين حاول تروتسكي، من منفاه في جزيرة برينكيبو التركية، تحذير اليسار الألماني من الخطر الداهم الذي يفرضه هتلر، وكتب في ديسمبر 1931: “إذا صعدت الفاشية إلى السلطة، فسوف تمزق على جماجمكم وعظامكم مثل دمية مخيفة (18)”، داعياً إلى جبهة متحدة ضد النازيين بصورة ملحة، فقد كان محقاً في ذلك. تكمن المعضلة الحقيقية في ما نتوصل إليه من استنتاج، وفي ما يتعين علينا فعله حيال ذلك.
كل من تلك “المشكلات” التي أشرت إليها تحظى بجيش صغير من المهتمين الذين يحاولون القيام بشيء إزاءها. هناك من يقولون، بنية حسنة، إن اللامساواة هي المشكلة المركزية، ويصدرون بيانات وتقارير لا حصر لها بغية تسليط الضوء على القضية من أوجهها المتعددة (فقر الطفل، وفقر الغذاء، وفقر الوقود، والفقر في الجنوب العالمي، وهم جُرَحًا). يسعون إلى تنبيه الجمهور إلى هذا الظلم وإقناع ذوي النفوذ والسلطة بفعل شيء حياله. لكن “الجمهور” في نظرهم لا حول له ولا قوة، بينما ذوو النفوذ والسلطة لا يكترثون بالأمر. أفرز الركود الاقتصادي جحافل من “الاقتصاديين” و”النقاد” الذين يقولون إن لب المسألة هو حل الأزمة الاقتصادية واستعادة النمو. يجادل بعضهم بأن الطريق إلى ذلك يمر عبر تقليص اللامساواة ووضع المزيد من الأموال في جيوب العمال، مع زيادة الإنفاق الحكومي، بغرض دفع الاقتصاد إلى الأمام. وهؤلاء لا يلقون بشكل عام إلا التجاهل.
ويقول آخرون إن الحل هو “أننا” يجب أن نتعلم أن نتكيف حياتنا على قبول خطط الاستقطاع والتقشف أيضاً من أجل دفع الاقتصاد. أما هؤلاء، فيجدون عادة آذاناً مصغية، لكن هذا يزيد طينة اللامساواة بلة ولا يحل المشكلة. وفي الوقت نفسه، فإن التعزيز الذي يطمحون إليه للنمو الاقتصادي يسرع ببساطة من عملية التغير المناخي.
يحفز اندلاع الحروب حملات السلام وحركات مناهضة الحرب. هؤلاء يكون التجاهل من نصيبهم أيضاً. تجاهل توني بلير أكبر مظاهرة في تاريخ بريطانيا في العام 2003 ومضى قدماً إلى حربه على العراق. وحول العالم أجمع، يحذر العلماء المتخصصون، والناس العاديون بالملايين، من أخطار التغير المناخي والإضرار بالبيئة على المستوى النظري، أو بالأحرى الشفهي، فإنهم يجدون من يسمعهم، لكن في الممارسة العملية لا يجدون سوى التجاهل أيضاً.
من وجهة النظر المحصورة في الفرد ووظائفه المحدودة، فإن التركيز في قضية واحدة بالطبع يبدو منطقياً، خصوصاً حين تكون الصورة الأوسع أكبر بكثير من القدرة على التعامل معها. للأسف من الواضح أن كل هذه القضايا تتقاطع وتتشابك بعضها مع بعض، ولا يمكن التعامل مع أي منها أو حلّه بانفصال عن البقية. على سبيل المثال، لا تتعلق مشكلة اللامساواة فقط بأولئك الذين يعانونها، بل أيضاً بأولئك الذين يستفيدون منها – وهؤلاء على وجه الدقة يهيمنون على النظام السياسي، ويديرون الدولة، ويتحكمون في الإعلام، ويملكون ويديرون إكسون موبيل وبريتش بتروليوم. إنهم أيضاً أولئك الذين يتخذون قرارات الحرب والسلام. إذا كنا لا نعيش في هذا العالم الذي يضج باللامساواة، ولم تكن ثمة أزمة اقتصادية تتطلب استعادة النمو، ولم يكن هناك نزاع بين القوى العظمى، سيكون حينها من الممكن إقناع حكومات الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند ودول الاتحاد الأوروبي بشن حرب على التغير المناخي، لوضع حد فوري له أو على الأقل خفض وتيرته. لكن ليس هذا هو العالم الذي نعيش فيه.
المناضل البريطاني الاممي
جون مولينو
في كتابة لينين في القرن الحادي والعشرين


