فمشروع ماركوز الرئيسي هو الإجابة على السؤال التالي : لماذا لم تقم الثورة في البلدان الصناعية المتقدمة ، أي على وجه التحديد في البلدان التي افترضت النظرية النقدية الكبرى أنها ستكون رائدة أقطار العالم أجمع الى الاشتراكية ؟
وطبيعي أن ماركوز ليس هو أول من حاول الإجابة على هذا السؤال .
ولقد كان الرائد الأول في هذا المضمار لينين الذي كشف النقاب عن تكون قشرة أرستقراطية على سطح الطبقة العاملة ، قشرة اشترتها الرأسمالية الاحتكارية بفضل الأرباح الطائلة المجتناة من المستعمرات ، واستخدمتها في تعميق وعي البروليتاريا الطبقي . ولكن لينين اعتبر هذه الظاهرة الانتهازية ظاهرة عارضة ومؤقتة في حياة الطبقة العاملة الاوروبية ونضالها ، واكد ان تطور الطليعة الثورية كفيل بالحفاظ على نقاء الوعي البروليتاري الطبقي الثوري ضد كل أدران الانتهازية والرشوة والتميع
ولقد اكد التاريخ صحة هذه النظرية اللينينية وتجاوزها في آن واحد . اكد شطرها الأول وكذب شطرها الثاني . فما اعتبره لينين عارضاً ومؤقتاً أخذ طابع الثبات والدوام ، وما كان في النظرية اللينينية مجرد قشرة أصبح فيما بعد ، واليوم بوجه خاص ، نواة البنية البروليتارية
كيف حدث ذلك ؟ ان أحداً قبل ماركوز لم يحاول الإجابة على السؤال هذا القدر من الشمول والتركيز الذي بذله مؤلف ” الانسان ذو البعد الواحد “
ان نقطة انطلاق ماركوز الأساسية هي الطاقة الهائلة التي بات يتمتع بها المجتمع المعاصر ، مجتمع التكنولوجيا والصناعة المتقدمة ، وما تحقق له هذه الطاقة من هيمنة على الفرد تتجاوز من بعيد كل أشكال السيطرة التي مارسها المجتمع في الماضي على أفراده. ولقد كانت السيطرة على مر العصور شكلاً لاعقلانياً من أشكال العلاقات الانسانية . وبسبب طابعها اللاعقلاني هذا على وجه التحديد ، كان في وسع الانسان دوماً أن يعقلها ويفضحها ويطالب بوضع حد لها . بيد أن السيطرة الاجتماعية في عصر التقدم التكنولوجي تتلبس طابعاً عقلانياً يجرد سلفاً كل احتجاج وكل معارضة من سلاحها ولكن ماذا نقصد بالطابع العقلاني للسيطرة في المجتمع الصناعي ؟ انه قبل كل شيء قدرة هذا المجتمع ، بفضل التطور التقني ، على استباق كل مطالبة بالتغيير الاجتماعي ، وعلى تحقيق هذا التغير تلقائياً . ومن زاوية الإنجازات العظيمة التي حققها المجتمع الصناعي المتقدم تبدو النظرية النقدية المطالبة بتجاوز هذا المجتمع هي اللاعقلانية وليس هو . اذ هل من المعقول في شيء المطالبة بتغيير مجتمع يثبت يومياً قدرته على تنمية الانتاجية وتوفير حياة الرغد والرفاه لأعضائه ؟
ولكن هذا ظاهر الأمور ليس الا . فالمجتمع الصناعي المتقدم هو برمته مجتمع لاعقلاني ، لأن تطور انتاجيته لا يؤدي الى تطور الحاجات والمواهب الانسانية تطوراً حراً ، بل على العكس من ذلك تماماً ، فإنتاجيته لا يمكن ان تستمر في التطور على الوتيرة الراهنة الا اذا قمعت تطور الحاجات والمواهب الانسانية وتفتحها الحر ، شأنها في ذلك شأن السلم الذي ينعم به المجتمع المعاصر اذ ان هذا السلم غير متحقق الا بفضل شبه الحرب الشاملة المنذرة دوماً بالاندلاع.
ولكن التمييز بين الظاهر والواقع ليس بالأمر السهل دوماً ، ولا سيما في شروط المجتمع الصناعي المتقدم الذي يميل فيه جهاز الانتاج الى ان يكون كلياً ، أي الى ان يمارس تأثيره في كل مستويات الحياة المادية والفكرية ، والى ان يحدد الصبوات والحاجات الفردية تحديده للنشاطات والمواقف الاجتماعية ، وبكلمة واحدة ، ان مجتمع الحضارة الصناعية يسير قدماً نحو تحقيق التلاحم الاجتماعي الداخلي واستبعاد كل شكل من أشكال التناقض والتجاوز والتعالي. ومن هنا كان هذا المجتمع مجتمعاً أحادي البعد ، مجتمعاً يحيلك باستمرار الى ذاته ويجرد من المعنى كل محاولة لمناوأته ومعارضته بله نفيه وهدمه ما دام يلبي حاجات الناس ويرفع مستوى حياتهم باستمرار .
ولكن هل الحاجات التي يلبيها هذا المجتمع هي حاجات حقيقية أم كاذبة ؟ حاجات انسانية حقاً وتلقائية أم حاجات مصطنعة اصطناعاً ومفروضة فرضاً ؟ ان الجواب بالنسبة الى ماركوز لا يقبل التباساً : انها حاجات وهمية من صنع الدعاية والاعلان ووسائل الاتصال الجماهيري . واذا كان المجتمع يحرص على تلبية هذه الحاجات المصطنعة ، فليس ذلك لأنها شرط استمراره ونمو انتاجيته فحسب، بل ايضاً لأنها خير وسيلة لخلق الانسان ذي البعد الواحد القابل بالمجتمع ذي البعد الواحد والمتكيف معه . وما الانسان ذو البعد الواحد الا ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية . واذا كان هذا الانسان يتوهم بأنه حر لمجرد أنه يستطيع ان يختار بين تشكيلة كبيرة من البضائع والخدمات التي يكفلها له المجتمع لتلبية وحاجاته ، ، فما أشبهه من هذه الزاوية بالعبد الذي يتوهم بأنه حر لمجرد أنه منحت له حرية اختيار سادته !
وهنا على وجه التحديد تكمن قوة المجتمع ذي البعد الواحد : الطابع العقلاني للاعقلانيته . فانقسام المجتمع الى طبقات مستغلة على سبيل المثال هو أحد المظاهر الأساسية للاعقلانيته ، ولكن لنر الى هذا المجتمع كيف يموه انقسامه الطبقي الواقعي بظاهر التلاحم الطبقي : فالعامل ورب العمل يشاهدان نفس البرنامج التلفزيوني ، والسكرتيرة ترتدي ملابس لا تقل أناقة عن ملابس ابنة مستخدمها ، والزنجي الذي لا يتمتع بحقوقه المدنية يمتلك سيارة كاديلاك فارهة . ولكن هذه المظاهر لا تعني أن الطبقات قد زالت ، وانما تدل في الحقيقة على مدى مساهمة الطبقات السائدة في تحديد الحاجات التي تضمن استمرار السيادة لها .
واذا كان في وسع الانسان أن يميز مجتمع السيطرة غير الحر من خلال تسلسل رقاباته ، فإن المجتمع ذا البعد الواحد قد قفز قفزة هائلة الى الأمام في طريق تزييف وعي الفرد عندما استبدل الرقابة الخارجية المفروضة من فوق بنوع من الرقابة الداخلية المستبطنة . وقد أثبتت هذه الرقابة الداخلية فعاليتها ونجعها الى درجة بات معها الفرد الذي يأبى الانصياع والامتثال للمجتمع القائم يعتبر عاجزاً بل مريضاً نفسياً لا في نظر المجتمع بل في نظره هو بالذات .
ان المجتمع الصناعي المتقدم لم يزيف حاجات الانسان المادية فحسب ، بل زيف ايضاً حاجاته الفكرية ، فكره بالذات . والفكر أصلاً عدو لدود المجتمع السيطرة ، لأنه يمثل قوة العقل النقدية ، السالبة ، التي تتحرك دوماً باتجاه ما يجب ان يكون لا باتجاه ما هو كائن . وهذه القوة هي في خاتمة المطاف قوة أيديولوجية. والحال ان المجتمع ذا البعد الواحد قد أحاط الأيديولوجيا بالازدراء والتحقير باسم عقلانيته التكنولوجية ، بل امتصها وأبطل مفعولها . وهذا لا يعني بالطبع انه لم تعد هناك أيديولوجيا . وكل ما هنالك أن المدنية التقنية أصبحت هي الأيديولوجيا . وأبرز وجوهها من هذه الزاوية المذهب الالي في الفيزياء والمذهب السلوكي في العلوم الاجتماعية ( والسمة المشتركة الأساسية لهذين المذهبين هي الالتزام بالواقع المعطى أو القائم ، ونبذ المفاهيم الشمولية او النقدية التي تهدد بالكشف عن بعد آخر لذلك الواقع ) .
ان عالم الحضارة الصناعية المتقدمة هو عالم كلي استبدادي تملك القدرة لا على وأد أي محاولة المعارضته ونفيه فحسب ولا على تمييع وتذويب ودمج القوى الاجتماعية التي يمكن ان تعارضه فحسب ، بل أيضاً على استنفار وتعبئة جميع طاقات الانسان الجسدية والروحية وجميع القوى الاجتماعية للذود عنه وحمايته . وهنا بالتحديد يكمن دور السياسة .
لقد كانت السياسة ميداناً مفضلاً للصراع والتعارض والتناقض ، ميداناً لما هو ثنائي البعد . ولم تستطع اكثر الأنظمة الدكتاتورية مغالاة وإفحاشاً أن تلغي في يوم من الأيام البعد النافي ، السالب للسيطرة والإكراه .
ولكن ما عجزت عنه الدكتاتورية حققته الديموقراطية او على الأقل ذلك الشكل من الديموقراطية الذي تعرفه الآن المجتمعات الصناعية المتقدمة . فهذه المجتمعات تسير أكثر فأكثر نحو نظام الحزبين الاثنين اللذين أصبحا ممثلين القطبي التعارض في المجتمع . ولكن هذا التعارض هو مجرد وهم يقصد منه امتصاص المعارضة الحقيقية . والدليل صعوبة التمييز بين برنامج الحزبين على صعيد السياسة الداخلية والخارجية معاً والحق أن الهدف الأول من توحد المتعارضات في المضمار السياسي قطع الطريق على القوى الاجتماعية التي يمكن ان تكون عامل التغير التاريخي.
واتحاد المعارضات هذا هو الذي يفسر لنا عجز الأحزاب الثورية في المجتمعات الصناعية المتقدمة وانزلاقها المستمر نحو الانتهازية والاصلاحية والاندماج المتعاظم بالنظام القائم . ولا عجب ان كانت هذه المجتمعات تذكر مواطنيها صباح مساء بخطر الشيوعية او الغزو الخارجي المزعوم ، فتسليط سيف هذا الخطر كفيل بقمع ودمج القوى التي لم يستطع الجهاز بعد ان يقمعها ويدمجها.
أضف الى ذلك أن الآلة نفسها تلعب دوراً سياسياً بارزاً في المجتمع التكنولوجي . فمكننة العمل وتأليله أبطلا مفعول الرفض والنفي الذي كانت تمثله الطبقة العاملة الكادحة ، ودفعا بهذه الطبقة الى الاندماج بالنظام القائم فصار مطلبها الأول المساهمة في تسيير المشاريع لا تغيير النظام الذي يوفر لها نسبياً رغد العيش ورفاهه.
بالطبع هذا لا يعني أن من واجب الطبقة العاملة أن ترفض دولة الرفاه باسم مفاهيم ” ميتافيزيقية ” عن الحرية ، ولكن من الواجب ايضاً ألا يغيب ذهنها أن دولة الرفاه هذه يمكن أن تكون اكثر رفاهاً . ذلك أن لهذه الدولة استطالتين حتميتين : التبذير والحرب . فهي اولا دولة تبذير لأنها مضطرة باستمرار الى خلق حاجات كاذبة والى تلبيتها ، وهي ثانياً دولة حرب لأن الاستعداد لمواجهة الخطر الخارجي المزعوم المهدد المنجزاتها هو بالنسبة اليها ضرورة حيوية لإبطال مفعول أي معارضة داخلية.
وثقاقة المجتمع التكنولوجي تلعب دوراً لا يقل خطورة عن دور سیاسته في تصفية العناصر المعارضة والمتعالية ، وفي تزويد الفرد بضمير مرتاح سعيد ، أي أحادي البعد.
إن الثقافة هي بالتعريف ثنائية البعد ، لأنه لا قوام لها إلا اذا ميزت بين الواقع وبين ما كان يمكن أن يكونه هذا الواقع . بيد أن الطاقة الهائلة التي تملكها وسائل الاتصال الجماهيري في المجتمعات التكنولوجية هي في سبيلها اليوم الى التخفيف من حدة التناقض بين الواقع الثقافي والواقع الاجتماعي عن طريق دمج قيم الأول بالثاني وإعادة توزيعها على نطاق واسع وتجاري.
لقد اضحت الثقافة في المجتمع التكنولوجي بضاعة ، وحتى موسيقى الروح أمست موسيقى تجارية أو قابلة للتتجير. واذا كان عالم الأدب والفن قد مثل على الدوام بالنسبة الى الناس عالماً متعالياً ، بعداً آخر للواقع ، الرفض الأكبر على حد تعبير فلسفة علم الجمال، فان هذا الرفض قد بات اليوم مرفوضاً وامتص عالم الأعمال و البعد الآخر .
وكما جرد الأدب والفن من انفصاليتها ، أفقدت الغريزة الجنسية تساميها ، واستبدل المجتمع التكنولوجي الإيروسية التي هي أكثر من مجرد تعبير عن الرغبة الليبيدوية بنوع من واقعية جنسية تقلص عالم الليبيدو الى مجرد نعرة تتطلب التلبية على نحو سريع ومباشر وواقعي مئة بالمئة. وهنا بالضبط تكمن المفارقة : ففي الوقت الذي يتيح فيه المجتمع المعاصر مجالاً اوسع بكثير مما في الماضي لتلبية الغريزة الجنسية ، نلاحظ أن مبدأ اللذة يواجه من خلال هذه التلبية تقلصاً وانكماشاً . وبكلمة واحدة : إن الجنس في المجتمع الأحادي الجانب يصبح هو الآخر أحادي الجانب وطاقة من الطاقات المستنفرة بالتالي لحماية ذلك المجتمع.
وما دام الهدف الأول لعقلانية المجتمع التكنولوجي اللاعقلانية هو تقليص مجال الفرد الداخلي ، فلا غرو إن وجدنا عملية التقليص هذه تمتد الى عالم اللغة ، عالم التعبير والاتصال الانساني . فعلى هذا المستوى ايضاً تبرز الى حيز الوجود لغة أحادية الجانب ، لغة ايجابية تستبعد من تراكيبها ومفرداتها كل الأفكار والمفاهيم النقدية المتعالية . وهذه اللغة هي بوجه خاص لغة محترفي السياسة وصناع الرأي العام ( الصحافة والاذاعة والتلفزيون ) . لغة عارية من التوتر والتناقض والتطور والصيرورة ، لغة عاملية ، لغة سلوكية ، لغة بلا تاريخ ، بلا أبعاد . وبكلمة واحدة ، لغة مقفلة ، منغلقة على ذاتها .
والمذهب السلوكي في علم الاجتماع ( الأميركي ) يقدم لنا امثلة ساطعة على المجهودات و العلمية ، المبذولة في سبيل تقليص لغة الانسان وتجريدها من المفاهيم الشمولية والنقدية التي يمكن أن تضع العالم القائم موضع اتهام . وهذا المذهب يقوم على ترجمة لغة الاحتجاج والاستياء الى مفردات عاملية ، سلوكية تبقي ما هو خاص في نطاق ما هو خاص وتمنع أو تفك ارتباطه بالحالة العامة ، حتى يصبح في الإمكان حصره ومعالجته على تحو يكفل حسن سير النظام في مجموعه .
إن التحليل ما يزال سلاح البورجوازية ومجتمع السيطرة المفضل . تحليل اللغة الى جزئيات ثابتة ، عاطلة ، لا تحيل الى اكثر مما تعني ظاهراً ومباشرة ، وتحليل المجتمع الى افراد ، الى حالات خاصة ، الى ذرات يعيش كل منها في مداره الخاص ولا يعي الحالة العامة التي يشكل فيها هو نفسه حالة خاصة . وبذلك يلتقي المذهب العاملي في التحليل الاجتماعي ليرفضا معاً استعمال مصطلح و العامل ، على سبيل المثال ، لأن مثل هذا المصطلح يحيل الى تركيب، الى طبقة ، وليفرضا بالمقابل لغة لا تتكلم إلا عن العامل أ في المصنع ب التابع للتروست جـ
ولا احد ينكر بالطبع أن اللغة الأحادية الجانب لها هي الأخرى مفاهيمها العامة ، وتعاريفها ( الشمولية ، بيد ان هذه المفاهيم وهذه التعاريف تنبذ كل توتر بين الواقع والممكن ، بين الكائن والواجب الكينونة .فعندما كان الفلاسفة الإغريق على سبيل المثال يعرفون المواطن بأنه رجل حر ، كانوا يعنون بذلك أنه يجب ان يكون حراً . اما عندما يتحدث علماء الاجتماع عن المجتمع الاميركي ويصفونه بأنه ديموقراطي على سبيل المثال ، فإنهم يعنون بذلك انه ديموقراطي فعلاً ، ولا يعنون انه يجب ان يكون ديموقراطياً . ولئن كان المنطق اليوناني قد انهم بأنه شكلي وعقيم ، فان المنطق التجريبي ( منطق السوسيولوجيين الأميركان ) منطق مشبوه بل قدر ، منطق يغلف فساده بظاهر من الواقعة والاختبارية.
لنأخذ على سبيل المثال مفهوم الديموقراطية . إن السوسيولوجيين الآنفي الذكر ينشئون هذا المفهوم انطلاقاً من الأسس الراهنة للمجتمع الأميركي، ثم يطبقونه على هذا المجتمع نفسه لينتهوا الى هذه النتيجة العبقرية ألا وهي أن المجتمع الأميركي مجتمع ديموقراطي ! وهذا هو في الأصل معنى إصرارهم على أن مهمة المفاهيم هي ان تصف لا ان تحدد ما يجب أن يكون ، ان تترجم الواقع لا ان تقيمه . وهم يفعلون ذلك بحجة ان علم الاجتماع يجب ان يكون علماً ، أي منهجاً محايداً وموضوعياً ينبذ بشدة احكام القيمة ، متناسين ان نقطة انطلاقهم بالذات ترتكز الى حكم قيمة .
إن كل البناء الفكري والفلسفي للمجتمع الأحادي البعد يقوم على اسطورة ، اسطورة حياد التكنولوجيا . والحق أن ما يسمى بالحياد التكنولوجي قد وسم بميسمه العصر كله وثقافة العصر كلها . وما هذا الميسم إلا منطق السيطرة والرقابة ، ولكنها السيطرة المستبطنة والرقابة المفروضة من الداخل . إن التكنولوجيا هي بالتعريف علم تحويل الأشياء ( اشياء الطبيعة ) الى ادوات مروضة ، مسيطر عليها ، بهدف استغلالها لأغراض اجتماعية وحضارية . إن التكنولوجيا هي فن غزو الطبيعة والتغلب على مقاومتها الخرساء . ومن هذه الزاوية تلعب التكنولوجيا دوراً تقدمياً لا يماري فيه إلا الرجعي الغبي . ولكن عندما اصبحت التكنولوجيا هي الشكل العالمي للانتاج المادي ، أي عندما اصبحت تلك القوة الكلية المحددة الحياة العصر وثقافته في ظل مجتمع طبقي قمعي اضطهادي ، اصبح منطقها الذي هو منطق سيطرة الانسان على الطبيعة المنطق المحدد للعلاقات الاجتماعية ايضاً، اي علاقات الانسان بالانسان ، وهكذا ، وبدلاً من ان تكون قوة التكنولوجيا قوة تحريرية عن طريق تحويل الأشياء الى ادوات ، أمست عقبة في وجه التحرر عن طريق تحويل البشر الى ادوات. ذلك ان الانسان اذا ما قبل ولو لمرة واحدة بمنطق السيطرة فلا محيد له بعد ذلك عن القبول به على طول الخط . والمشكل كل المشكل يكمن في انه تناسى أن السيطرة على شعب من الآلات والأدوات هي ايضاً سيطرة.
مقدمة جورج طرابيشي
لترجمة كتاب هربرت ماريكوز
الانسان ذو البعد الواحد

