إقراراً بهذه الديناميات أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان بعد الحرب العالمية الثانية بقليل – في خطبة شهيرة ألقاها أمام الكونجرس – أن الولايات المتحدة ستتدخل بهمة في شتى أنحاء العالم دعماً لمصالحها ومصالح العالم الحر». رغم أن مبدأ ترومان – كما أصبح معروفاً – قد أطر إلى حد بعيد بصفته رد على نفوذ سوفيتي متزايد في كل من تركيا واليونان وأماكن أخرى، ففي القلب من بواعث قلق السياسة الخارجية الأمريكية كانت حركات الاستقلال واليسار العديدة التي ظهرت في أعقاب دمار أوروبا. لم تشر خطبة ترومان مباشرة إلى الشرق الأوسط، لكن أهمية المنطقة الكبرى كانت بلا شك راسخة في أذهان من كتبوا الخطبة، التي أكدت مسودة مبكرة منها أهمية الموارد الطبيعية العظيمة في المنطقة.
على ضوء التداعيات الهائلة المحتملة لأي تغييرات لحالة السيادة في الشرق الأوسط – ومع العلم بأهمية المنطقة لصالح موقعها على قمة الهيراركيات العالمية – تولت الولايات المتحدة القيادة في محاولة تغيير طبيعة الحكم السياسي أثناء فترة ما بعد الاستعمار، كانت الاستراتيجية التي تبنتها الولايات المتحدة في البداية – في تحالف مع بريطانيا وفرنسا – هي التفاوض على تسليم السلطة إلى القادة الذين رأت فيهم القبول لاستمرار الهيمنة الأجنبية، وإن كان هذا في إطار من الاستقلال الرسمي. أظهرت بريطانيا من قبل بعض النجاح في هذه المقاربة، إذ استبدلت الحكم المباشر في مصر في (1922) وفي العراق في (1932) بحكومات جديدة يقودها قادة موالون لبريطانيا وقد سمحوا باستمرار تواجد القوات الأجنبية وأذعنوا إلى حد بعيد للأوامر القادمة من لندن. اتباعا لهذا المنطق تم تشكيل لبنان وسوريا كدولتين منفصلتين مع انتهاء الانتداب الفرنسي في 1943 ومنحت إمارة شرق الأردن (سميت الأردن فيما بعد الاستقلال عن الانتداب البريطاني في 1946 في 1951 أنعمت الأمم المتحدة على ليبيا بالاستقلال تحت سيطرة الملك إدريس.
لكن في أغلب البلدان لم يتمكن هذا الاعتماد على النظم الملكية الموالية للغرب والنخب الحضرية من الاستمرار طويلاً مع دخول الخمسينيات والستينيات. تأكد عمق المشكلة التي كانت تواجهها القوى الغربية. في 1951، مع تأميم شركة النفط الأنجلو – إيرانية التي كانت تملكها بريطانيا وتديرها. تجرأ رئيس الوزراء المعين حديثاً محمد مصدق على إثر الحراك الجماهيري العريض في شتى أنحاء البلاد فطرد الشركة ووضع النفط الإيراني تحت سيطرة الدولة. بعد تأميم شركة النفط الأنجلو – إيرانية بعام – في 1952 – شهدت الأحداث في مصر انعطافة دراماتيكية. مع خلع الحاكم الملكي والحليف الرئيسي للاستعمار في المنطقة – الملك فاروق على يد انقلاب عسكري بقيادة جمال عبد الناصر، الضابط الذي تمتع بشعبية واسعة. أجبر مجيئ ناصر للسلطة القوات البريطانية على الانسحاب من مصر في 1954، وأدى إلى استقلال السودان في 1956 أكد ناصر أسوا مخاوف الغرب عندما التفت إلى الاتحاد السوفيتي طالبا للدعم العسكري والفني، والمساعدات المالية لمشروعات البنية التحتية الكبيرة مثل سد أسوان؛ تكللت السيادة المصرية الجديدة بتأميم قناة السويس التي كانت خاضعة للسيطرة البريطانية الفرنسية، في 1956 وهو عمل احتفى به الملايين في شتى أنحاء الشرق الأوسط. مع اتخاذ ناصر لهذه الخطوات كانت النضالات ضد الاستعمار تشتعل في أماكن أخرى بالمنطقة، ومنها الجزائر حيث بدأت حرب عصابات للاستقلال ضد الاحتلال الفرنسي في 1954، رغم عدم انتهاء السيطرة الفرنسية على الجزائر إلا في 1962، كانت الثورة الجزائرية عاملاً مهماً في دفع فرنسا لمنح الاستقلال الرسمي للمغرب وتونس في 1956.
رداً على هذه التحديات أعلنت الولايات المتحدة ما سمي بمبدأ أيزنهاور، في 5 يناير 1957، ضمن رسالة خاصة إلى الكونغرس حول الوضع في الشرق الأوسط. فمع التنديد بتهديد الشيوعية الدولية»، أعلن أيزنهاور جاهزية الولايات المتحدة لتوظيف القوات المسلحة للولايات المتحدة في المساعدة في الدفاع عن وحدة الأراضي والاستقلال السياسي لأية دولة بالمنطقة ؛رغم تأطير كلمة أيزنهاور -كما حدث مع كلمة ترومان – في إطار التهديد السوفيتي، فإن الكثير مما ورد في كلمته كان يسري على الأحداث التي شهدتها مصر، لا سيما تأميم قناة السويس. أشار أيزنهاور إلى أن القناة مكنت الأمم في آسيا وأوروبا من التجارة الضرورية لهذه الدول حتى تنعم باقتصاد صحي ومزدهر، وأن الشرق الأوسط هو «بوابة بين أوراسيا وأفريقيا… وفيه نحو ثلثي الاحتياطي العالمي المعروف من النفط… والأمم الأوروبية تعتمد على هذه الإمدادات وهذا الاعتماد يتصل بالنقل وبالإنتاج .
تم اختبار مبدأ أيزنهاور للمرة الأولى في الأردن عام 1957، حيث وصلت إلى السلطة حكومة ناصرية بقيادة سليمان النابلسي، وسعت للتضييق على سلطات الملك حسين المدعوم من الغرب . بالاعتماد على المشاعر المعادية لبريطانيا التي تأججت إثر تأميم قناة السويس، ألغى النابلسي معاهدة بين الأردن وبريطانيا وطالب بعلاقات أقوى بالصين والاتحاد السوفيتي ومصر. عزل الملك حسين حكومة النابلسي وحظر الأحزاب السياسية وأعلن القانون العرفي في الأردن. بعد إعراب الملك حسين عن دعمه الضمني لمبدأ أيزنهاور، ردت الولايات المتحدة بالمساعدات المالية والسياسية، وحلت محل بريطانيا بصفتها الداعم الغربي الرئيسي للأردن.
مع أخذ هذه الأزمة لمجراها في الأردن، دعمت الولايات المتحدة أيضاً القوى الموالية للغرب في سوريا، إذ دعمت الساسة المحافظين وشجعت المخططات التركية والعراقية ضد سوريا. لكن أخفقت تلك المحاولات ولم تؤد إلا لدعم القوى الشيوعية والقومية العربية. في 1958 شكلت مصر وسوريا الجمهورية العربية المتحدة، التي كانت محاولة قصيرة العمر من ناصر لتشكيل وحدة بناء على القومية العربية، وقد تبنتها نخب سورية كرد فعل على صعود قوة الحركة الشيوعية في سوريا .رداً على تشكيل الجمهورية العربية المتحدة شكل الأردن والعراق الاتحاد العربي، وهو اتحاد فيدرالي بين نظامين ملكيين تمت تهيئته كقوى مضادة للقومية العربية وموالية للغرب دام الاتحاد ستة أشهر فقط، وانتهى باغتيال الملك فيصل الثاني ملك العراق في انقلاب عسكري كان إلى حد بعيد بإلهام من انقلاب 1952 على الملكية في مصر. مع ترنح حلفاء الغرب هؤلاء، تم إرسال قوات بريطانية إلى الأردن لدعم الملك حسين بدعم من إسرائيل والولايات المتحدة)، فيما تم إبراز المارينز الأمريكيين في لبنان لدعم الحكومة الموالية للغرب برئاسة كميل شمعون.
بحلول أواسط الستينيات زلزلت الحركات الشعبية والمعارضة، التي أعلنت الانتماء والولاء للقومية العربية والأيديولوجيات اليسارية النظم الموالية للغرب بالمنطقة .
من العناصر بالغة الأهمية التي يتم تجاهلها في العادة، في هذا التاريخ هو اتساع رقعة النضالات عميقة الجذور التي شهدتها منطقة الخليج، حيث هددت الإضرابات والحركات العمالية استقرار الملكيات الفاسدة والمتداعية في البحرين على سبيل المثال حيث تشكل أول حزب سياسي في الخليج عام 1954، شهدت الستينيات نضالات عمالية صدامية بلغت ذروتها في انتفاضة دامت ثلاثة أشهر، بدءاً من مارس 1965، تلاها فصل مئات العمال من شركة النفط البحرينية (بابكو) . قاد هذه النضالات زعماء شيوعيون وقوميون ربطوا رفض التواجد البريطاني في الخليج بمطالب عمالية واجتماعية. وقد حظت الإضرابات بدعم قطاعات عريضة من المجتمع، مثل طلاب المدارس الثانوية الذين خرجوا في مسيرات تضامنية مع العمال وانتشرت التحركات العمالية والحركات المُلهمة بالقومية العربية أيضاً في السعودية والكويت والإمارات الخليجية الأصغر. وفي مناطق أخرى بالجزيرة العربية بدأ الكفاح المسلح في 1963 على يد جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، والجبهة القومية للتحرير ضد الاحتلال البريطاني لليمن . وقد عبر عن روح اللحظة تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل في 1968 ، وهي الجبهة التي اعتبرت مسرح عملياتها ممتداً ليشمل جميع الدول الخليجية.
حاضر الرأسمالية في الشرق الأوسط
ادهم هنية

