التدويل يستلزم أيضاً إعادة التفكير في طبيعة وظائف الدولة في إطار السوق العالمية المعاصرة. التراكم محدد بالمكان دائماً، فهو يتطلب تماسك وتحقق مادي في الزمن والمكان . هذا يعني أن رأس المال المدول يواجه تحدي تحقيق الظروف اللازمة للتراكم في جميع فضاءات الاقتصاد العالمي. الوظائف التقليدية للدولة في نطاق قطري معين – من تأديب قوة العمل، وحماية حقوق الملكية الخاصة، وضمان توفر الشروط المالية المواتية، وحماية العقود والقوانين إلخ – يزيد تحققها في النطاق الدولي. لا يعني هذا أن الدولة فقدت أهميتها أو أن المستوى العالمي قد فاقها أهمية. الحق أن تدويل رأس المال يعني في أحيان كثيرة أن عمليات تكوين الدولة تصبح أقوى ، بل لقد أصبح جهاز الدولة القومية أكثر أهمية ”لإدارة المنظومة الرأسمالية المحلية بشكل يسهم في إدارة المنظومة الرأسمالية العالمية” . من ثم ينمو تدويل الدولة بالتوازي مع تدويل رأس المال.
تثير هذه النزعات التدويلية أسئلة حول تعريف مفاهيم الطبقة والدولة على المستوى القطري. فالتدفقات الهائلة من رأس المال وقوة العمل عبر الحدود تعني أن عمليات تشكل الطبقة والدولة تتجاوز الحدود الوطنية. لهذا السبب، لا يمكن فهم الدولة الأمة ككيان اقتصادي سياسي مكتفي بذاته ومنفصل عن سبل امتزاجه ككيان بالمستويات المكانية الأخرى، بالأساس المستويين الإقليمي والعالمي . سيراً على خطى مفهوم أولمان لـ “العلاقات الداخلية” فإن العلاقات مع هذين المستويين الآخرين ليست خارجية على العلاقات الاجتماعية القائمة في أية دولة بعينها، إنما هي جزء لا يتجزأ من تكوينها. من المستحيل إذن فهم عمليات تشكل الطبقة دون تعقب كيفية تطور هذه العلاقات العابرة للمستويات وكيفية تشابكها، أي كيف تصبح هذه العلاقات جزءا من طبيعة الدولة الأمة ذاتها. بمعنى آخر، من المهم الانتباه لـ “الوطنية المنهجية – أي منح أهمية كبرى للعلاقات الاجتماعية «الوطنية» دون الإقرار بكيفية تشكل هذه العلاقات مروراً بارتباطاتها بالمستويات المكانية الأخرى.
في عمله الفاصل والمجدد عن التاريخ العالمي للعمل، يقدم مارسيل فان دير ليندن حججاً قوية حول أهمية تجاوز التحيزات الوطنية في المنهجية. يشير فان دير ليندن إلى أن المقاربات المنهجية التي تتحرى المستوى الوطني تعتبر الدولة الأمة هي وحدة التحليل الأساسية البديهية للبحث التاريخي… ينظر إلى العمليات.العابرة للحدود أو المتجاوزة لها بصفتها تشتيت عن النموذج الخالص »** . بينما من الواضح أن من المنظور العالمي، فإن وجود الدولة – الأمة ما زال بوضوح عنصراً أساسيا من عناصر النظام العالمي»، فإن فان دير ليندن يرى أن وجود هذه الدول ذاته يحتاج إلى” الإخضاع باستفاضة لمنظور التاريخ والقياس إلى المستويات دون الوطنية وفوق الوطنية والعابرة للدول “
من الأهداف المهمة لهذا الكتاب إلقاء الضوء على أهمية هذه المقاربة للشرق الأوسط. فى منطقة تربطها صلات بالغة القوة بنهج تطور ونمو النظام العالمي، لابد من إعادة فهم الدولة وتشكل الطبقة بالاستعانة بهذه العدسة متعددة المستويات.
من السبل المفيدة للتفكير في هذه المفاهيم، الأفكار التي قدمها المنظر اليوناني نيكوس بولانتزاس أثناء سلسلة مبكرة من المناقشات حول العلاقة بين رأس المال الأمريكي ورأس المال الأوروبي في أوروبا في حقبة السبعينيات. قال بولانتزاس بأن التدويل يؤدي إلى زيادة توطين أو الغرس المحلي لرأس المال «الأجنبي» في إطار التكوّن الاجتماعي المحلي. بمعنى آخر، وعلى النقيض من المواقف التي تشير إلى خلاف لا ينتهي بين رأس المال الوطني ورأس المال الأجنبي، أكد بولانتزاس على أن كل رأس المال – بغض النظر عن أصله الوطني – ملزم بالتوجه إلى المستوى العالمي، وفي الوقت نفسه، يصبح رأس المال الأجنبي غرساً محلياً ومكوناً لا يمكن تمييزه عن البرجوازية الوطنية». لا يعني هذا أن الدولة الأمة فقدت أهميتها أو أنه توجد طبقة رأسمالية موحدة عابرة للحدود، إنما يعنى ضرورة النظر إلى رأس المال بصفته يتواجد بشكل متزايد مع مرور الزمن خارج آية هويات محلية محددة.
لهذه المناقشات أهمية خاصة في سياق الشرق الأوسط، إذ وكما ستظهر الفصول اللاحقة، بات الاقتصاد السياسي الإقليمى يحتل مكانة أساسية في الاقتصادات الوطنية على مدار العقدين الماضيين. هذا يعني أنه من الضروري رفض نظام التصنيف اللينيوسي ( من الأكبر للأصغر: مملكة ، طائفة ، رتبة، فصيلة، جنس، نوع) المعتمد في العادة في السياسة المقارنة، الذي يقسم الشرق الأوسط إلى «جمهوريات سلطوية» و ملكيات سلطوية، ويبرز أوجه الاختلاف والتماثل بين دول مقسمة بوضوح وعلاقاتها الاجتماعية مرتبطة حصراً بالحدود الوطنية ومتصلة خارجياً ببعضها البعض. أهم أمر في إعادة النظر في توظيف المستوى الإقليمي في التحليل هو دور رأس المال الوارد من دول مجلس التعاون الخليجي – وهو مشروع تكامل إقليمي يجمع الملكيات الست المنتجة للنفط السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، البحرين عمان. من أهم ما يعد به هذا الكتاب هو تقديم رؤية حول كيف غير رأسمال مجلس التعاون الخليجي من الاقتصاد السياسي للمنطقة، الذي أصبح جزءا من البناء الطبقي للدول المجاورة.
هذه التوجهات لها تبعات سياسية بعيدة المدى. الأهم أنها تثير تساؤلات حول مفاهيم محبذة للكثير من الحركات القومية العربية وأجزاء من اليسار) – مثل «رأس المال الوطني” أو “البرجوازية الوطنية” التي تُرى كحليف محتمل ضد رأس المال الأجنبي. في مصر على سبيل المثال شدد أحد أبرز أصوات الثورة، القيادي الناصري حمدين صباحي، على هذا المفهوم بصفته ركناً مهماً من أركان رؤيته السياسية. طالب البرنامج الانتخابي لصباحي في انتخابات 2012 الرئاسية (التي حل فيها بالمركز الثالث بنسبة 20.72 في المائة من الأصوات) بوضع مصر على أول طريق النهضة الشاملة حتى تنتقل من مصاف دول العالم الثالث إلى الدول الاقتصادية الناهضة والمنافسة على موقع متقدم في ترتيب أقوى اقتصاديات العالم في حين عرض صباحى عدداً كبيرا من أهداف العدالة الاجتماعية المهمة، ومنها الحق في الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم والعمل والأجر العادل والتأمين الشامل والبيئة النظيفة، فإن خطته لتحقيق هذه الأهداف اعتمدت – بالإضافة للاعتماد على الدولة و القطاع التعاوني – على ما وصفه بـ «قطاع خاص تقوده رأسمالية وطنية.. في برنامجه الانتخابي طالب الرأسمالية الوطنية بأن تلعب دورها الرئيسي والمنتظر في مشروع النهضة. وعد – إذا تم انتخابه – بدعم هذا التوجه من خلال حوافز الاستثمار…. وتشريعات تواجه… الاحتكار وتضمن أداء الرأسمالية الوطنية لواجبها الاجتماعي».من أهداف هذا الكتاب إظهار الضعف الأصيل والأساسي في هذا النوع من الاستراتيجيات. نزعات التدويل المتشابكة والمتزامنة للدولة ورأس المال -لا سيما كما تتبدى في منطقة كالشرق الأوسط – تعني أن أفكار التنمية المستقلة التي تحركها روح وطنية مزعومة تحل بالطبقة الرأسمالية، هي أفكار تقدم أملاً ضئيلاً في تحقيق التحرر الحقيقي.
……………………. …………………………… ………
** وجود (واستمرارية) نظام الدولة في الرأسمالية العالمية هو محور نقاش مهم في أوساط الماركسيين لكنه خارج نطاق هذا الكتاب من الإسهامات المفيدة في هذه المناقشة تلك التي قدمها نيل ديفدسون (2012) الذي قال بأن هذا النظام يجب أن يُرى ليس بصفته نتاج تاريخي أو نتيجة لدمج المنطقين المختلفين لرأس المال والأرض ككيان سياسي على النقيض من هذين الموقفين السائدين بقوة، يقول ديفدسون بأن نظام الدولة نتاج حتمي للتراكم التنافسي بين رؤوس الأموال. وتحديداً، فهو يشدد على أهمية دور الدولة – الأمة في خلق الأيديولوجية الوطنية التي يمكن استخدامها في ربط مصالح الطبقة العاملة بالدولة ومن ثم برأس المال. أتقدم بشكري البالغ لـ جيف ويبر الذي أرشدني لهذا المقال.

