كرار جمعة الإمارة
من الصعب فهم التحولات الجارية في مصر اليوم إذا تم النظر إليها فقط من زاوية السياسة المباشرة أو الإجراءات الأمنية. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة لإعادة تعريف هوية مصر نفسها. منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، بدأ يتشكل تدريجيًا مشروع يمكن وصفه بأنه “هندسة رمزية” للمجتمع، مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج الهوية على مستوى الوعي والخيال الجماعي.
لفهم هذا التحول، يجب العودة إلى اللحظة التي فقدت فيها مصر آخر خطاب جامع لها، أي لحظة أفول المشروع القومي العربي بعد اتفاقيات كامب ديفيد. منذ تلك اللحظة، لم تعد مصر تمتلك أيديولوجيا واضحة تعرف نفسها من خلالها. انتهى زمن جمال عبد الناصر، ولم يأتِ بديل حقيقي، بل نشأت دولة تُدار أساسًا بمنطق أمني-بيروقراطي، بلا سردية كبرى قادرة على تعبئة المجتمع أو منحه معنى سياسيًا متماسكًا. يمكن القول إن مصر دخلت، منذ أواخر السبعينيات، في حالة فراغ هوياتي طويل.
هذا الفراغ هو ما يبدو أن السيسي يحاول ملأه، عبر تركيب هوية جديدة، هجينة، تمزج بين مستويات تاريخية مختلفة. فمن جهة، هناك استدعاء مكثف للبعد الفرعوني: احتفالات ضخمة، استعراضات تاريخية، وتسويق لمصر بوصفها حضارة ضاربة في القدم، تتجاوز حدود العروبة والإسلام السياسي معًا. ومن جهة أخرى، هناك إحياء واضح لعناصر من التراث الإسلامي، خصوصًا المرتبط بالقاهرة الفاطمية، من خلال ترميم المساجد التاريخية، والاهتمام بمراقد آل البيت مثل مسجد الإمام الحسين، والانفتاح على طقوس دينية كانت مهمشة أو محصورة في نطاق ضيق.
سعي لإنتاج دين مؤمم، وتاريخ معاد توظيفه، في إطار يخدم الدولة وليس بديلًا عنها.
هذا المزج هو محاولة لبناء هوية تستطيع أن تخاطب مستويين في آن واحد: عمقًا تاريخيًا طويلًا يمنح الدولة نوعًا من “الخلود الرمزي”، وعمقًا دينيًا شعبيًا يضمن التواصل مع المزاج الاجتماعي العام، ولكن دون الانزلاق إلى مشروع الإسلام السياسي الذي تمثله قوى مثل الإخوان المسلمون. بمعنى آخر، هو سعي لإنتاج دين مؤمم، وتاريخ معاد توظيفه، في إطار يخدم الدولة وليس بديلًا عنها.
لا يمكن فصل هذا التوجه عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث يبدو أن المنطقة بأكملها تعاد صياغتها على أساس هوياتي
لا يمكن فصل هذا التوجه عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث يبدو أن المنطقة بأكملها تعاد صياغتها على أساس هوياتي: إسرائيل تعمق طابعها الديني-التوراتي، إيران تواصل بناء مشروعها الشيعي، وتركيا تستدعي إرثها العثماني بشكل متزايد، وسوريا تنهض بطريقة إخوانية. في هذا المشهد، يبدو أن الدولة المصرية تدرك أن البقاء ضمن نموذج “الدولة بلا هوية” لم يعد ممكنًا؛ وأن الصراع لم يبقَ حول الاستيلاء على السلطة، إنما يمتد ليشمل تعريف الذات وتحديد الهوية التي من خلالها تستمر شرعية السلطة.
هنا أدرك السيسي محدودية الحكم العسكري التقليدي، فالقوة وحدها لا تكفي لإنتاج استقرار طويل الأمد، ما لم تدعم بسردية تمنح النظام نوعًا من القبول أو حتى الانتماء. هذه الفكرة قريبة مما طرحه أنطونيو غرامشي حول “الهيمنة”، حيث تمارس السلطة عبر بناء توافق رمزي يجعل النظام يبدو طبيعيًا أو بديهيًا. ويمكن أيضًا استحضار فكرة بندكت أندرسون عن “الجماعات المتخيلة”، حيث تُبنى الأمة من خلال سرديات مشتركة أكثر من كونها معطىً جاهزًا.
حتى المشاريع العمرانية الكبرى، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة، يمكن قراءتها في هذا الإطار. فهي ليست مجرد نقل إداري أو توسع حضري، بل محاولة لإنتاج فضاء جديد للسلطة، فضاء منفصل رمزيًا وماديًا عن القاهرة التاريخية. كما يشير هنري لوفيفر، فإن الفضاء يُنتَج سياسيًا. وبذلك، تصبح العاصمة الجديدة جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع واعادة تعريف الهوية .





